الحق اليقين في تراجم المعصومين - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١١٥ - بيان نبذة من أحوال الإمام محمد بن علي الباقر(ع) باقر علوم الأولين والآخرين
سهمه إلى نصله ثم تابع الرمي حتى شق تسعة أسهم بعضها في جوف بعض وهشام يضطرب في مجلسه فلم يتمالك أن قال أجدت يا أبا جعفر أنت أرمى العرب والعجم كلا زعمت إنك كبرت عن الرمي ثم أدركته ندامة على ما قال. وكان هشام لم يكن أحل قتل أبي فهم به وأطرق إلى الأرض إطراقة ليتروى فيها وأنا وأبي واقفان حذاه مواجهين له فلما طال وقوفنا غضب أبي فهم به وكان أبي إذا غضب نظر إلى السماء نظر غضبان يرى الناظر الغضب في وجهه فلما نظر هشام إلى ذلك من أبي قال له إلي يامحمد فصعد أبي إلى السرير وأنا أتبعه فلما دنا من هشام قام إليه فاعتنقه واقعده عن يمينه ثم اعتنقني وأقعدني عن يمين أبي ثم أقبل على أبي بوجهه فقال: يا محمد لا تزال العرب والعجم يسودها قريش ما دام فيهم مثلك، لله درك مَنْ علّمك هذا الرمي وفي كم تعلمته؟ فقال أبي: (تعاطيته أيام حداثتي ثم تركته) فقال: ما رأيت مثل هذا الرمي وما ظننت أحدا يرمي مثل هذا الرمي! أيرمي جعفر مثل رميك؟ فقال أبي: (نحن نتوارث الكمال والتمام الذين أنزلها الله على نبيه في قوله تعالى الْيَوْمَ اكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَاتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمْ اْلِاسلَامَ ديناً، والأرض لا تخلو من يكمل هذه الأمور التي يقصر عنها غيرنا) قال فلما سمع ذلك من أبي انقلبت عينه اليمنى فأحولت وأحمر وجهه وكان ذلك علامة غضبه ثم أطرق هنيهة ثم رفع رأسه فقال لأبي: ألَسنا بني عبد مناف؟ نسبنا ونسبكم واحد. فقال أبي (ع): (نحن كذلك ولكن الله جل ثناؤه اختصنا من مكنون سره وخالص علمه بما لم يخص به أحدا غيرنا) فقال: أليس الله جل ثناؤه بعث محمدا من شجرة بني عبد مناف إلى الناس كافة أبيضها وأسودها وأحمرها فمن أين ورثتم ما ليس لغيركم ورسول الله مبعوث إلى الناس كافة وذلك كما قال الله تعالى ولِلّهِ مِيراثُ السَّمَواتِ والأَرْضِ فمن أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمد نبي ولا أنتم أنبياء؟ فقال (ع): (من قوله تعالى لنبيه لا تُحَرِكْ بِهِ لسَانَكَ لِتَعْجَل بِهِ الذي لم يحرك به لسانه لغيرنا أمره الله تعالى أن يخصنا به دون غيرنا فلذلك كان يناجي أخاه عليا من دون أصحابه فأنزل الله في ذلك