مسلم بن عقيل عليه السلام - البغدادي، محمد - الصفحة ٦١ - مجتمع الكوفة
وتستتب الأمور، وأبعد الناس عن الرفاهية في دولة علي وولده أقربهم منه وأعظمهم منصباً، على عكس غيرهم، والناس تحبّ الراحة، وتميل إلى من يُعطيها ويفضّلها، وتخلد إلى زُخرف القول ومعسول الكلام، وأهل الكوفة ملّوا المجاهدة مع الإمام وركوب الصِعاب والمصابرة معه، في الوقت الذي لم يروا منه الغِلظة والقسوة والدموية التي تعرفها البشرية من الولاة فأخلدوا إلى الكسل والإهمال، وتنصّلوا عن بيعتهم ووعودهم بالأقوال الكواذب والدعاوى التي لا ترتكز على شيء وتعوّدوا لهجة الغدر وركبتهم روح النفاق حتّى وجدوا أنفسهم فجأة في أحضان بني أميّة، ومن لا يرقب فيهم إلاّ ولا ذمةً.
٥ ــ إنّ أكثر أهل الكوفة لم يكونوا شيعة لعلي عليه السلام وإنّما نمت شجرة التشيّع فيها ببركة وجوده فهم لم يكونوا يرون فيه غير خليفة الوقت ولم يعتقدوا فيه أنّه الإمام المنصوب من الله سبحانه وأنّه معصوم وأنّه الثاني في الإسلام بعد النبيّ بلا فصل وهكذا غيرها من عقائد الإسلام الصحيحة التي تمسّك بها الإمامية بأدلّة موجودة في كتبهم وكتب مخالفيهم.
فلمّا كان مستوى اعتقادهم هكذا لم يك من العسير عليهم مخالفته والتمرّد عليه.
٦ ــ إنّ الغدر ونقض العهد والميثاق سلوك عامّ عند النوع البشري كلّه ولا يمنعه منه إلاّ الدين وخوف العقاب والاعتقاد باطلاع الله سبحانه عليه في سرّه وعلانيّته وإنّه محاسب على كلّ صغيرة وكبيرة وهذه وأمثالها من السلوكيات شاهد لنا على عدم تغلغل الدين الصحيح في نفوس الأمّة وعلى عدم بذل حكمها