مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٧١ - مطلع ١٠
صدق وليّ اللّه تعالى. و قد شرحه المحقّقون الكاملون، رضي اللّه عنهم؛ و لكن لمّا لم يشيروا، قدّس اللّه أنفسهم، إلى بعض أسراره، فنحن نشير إليه مع قلّة الباع و نقصان الاطّلاع. كيف، و عطاياهم لا يحمل إلّا مطاياهم؛ و ليس لمثلي هذا المحلّ الأعلى و المنزل الأبهى الأسنى.
فنقول: قوله (ع): استنطقه أي، جعله ذا نطق و إدراك بنفس جعل ذاته. فإنّ العلم و الإدراك في المبادئ العالية، و لا سيّما العقل الّذي هو أوّل التعيّنات، عين ذاتها. و هذا بوجه نظير قوله تعالى: «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها.» [١٥٤] فإنّ «التعليم» في ذلك المقام بإيداع صور الأسماء و الصفات بنحو اللفّ و الإجمال و أحديّة الجمع فيه؛ لا أنّه خلقه مجرّدا عن العلم بالأسماء ثمّ علّمها إيّاه. فإنّ الإنسان مظهر اسم «اللّه» الأعظم الجامع لجميع المراتب و الأسماء و الصفات بنحو أحديّة الجمع؛ و العقل أيضا مظهر علم الحقّ. فهو عالم في مرتبة هويّته و لبّ حقيقته.
و قوله: أقبل أمر من حضرة الجمع إلى المظهر الأوّل بظهوره في جميع مراتب التعيّنات من عالم الملك و الملكوت. فهو النافذ في جميع العوالم بأمر بارئه، ليظهر الكمالات الّتي في عالم الأسماء و الصفات، و ينشر الخيرات في مراتب الكائنات، و يهديهم إلى الصراط المستقيم و يرشدهم إلى الطريق القويم.
و قوله (ع): أدبر أي، أدبر من عالم التفصيل إلى الحضرة الجمع بجميع المظاهر إلى الاسم المناسب لمقامك و مقام مظاهرك: إمّا إلى الاسم «الرحمن»، فتثاب؛ أو إلى الاسم «المنتقم»، فتعاقب. فالعقل الظاهر في العوالم النازلة يثاب و يعاقب باعتبار اتّحاد الظاهر و المظهر. و معاد كلّ شيء بتوسّطه؛ بل بمعاده؛ فإنّ الأشياء الكونيّة لا تعود إلى الحقّ ما لم تصل إلى العالم العقلي، أو تفنى فيه؛ و إن كان معاد الكلّ بتوسّط الإنسان الكامل الّذي كان العقل هو مرتبة عقله.
و قوله (ع): و لا أكملتك إلّا فيمن أحبّ إشارة إلى أنّ ظهور العقل في مراتب الموجودات على قدر استعدادهم الّذي قدّر لهم في الحضرة العلميّة بالحبّ الذاتي. و لو لا ذلك الحبّ، لما يظهر موجود من الموجودات و لا يصل أحد إلى كمال من الكمالات؛ فإنّ بالعشق قامت السموات. [١٥٥] و في قوله (ع): إيّاك آمر و إيّاك أنهى و إيّاك أثيب و إيّاك أعاقب بلا تخلّل «الباء» إشارة واضحة عند أرباب الذوق بما قلنا من أنّ العقل هو الظاهر و هو الباطن، و هو
[١٥٤] (البقرة/ ٣١).
[١٥٥] يقرب منه ما عن صدر المتألهين: «لو لا العشق ما يوجد سماء و لا ارض و لا بر و لا بحر.» سه رسالة، ص ١٢٩.