مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٦٠ - مطلع ١
رويّة حين بلوغي إلى هذا المقام من الرسالة. و هو أنّ الحقيقة الغير المتعيّنة، أيّة حقيقة كانت، إذا صارت متعيّنة بالتعيّنات المتشتّتة اللاحقة لها، لا تتعيّن بشيء منها، إلّا بما هو أسبق رتبة و أقدم مرتبة و ذاتا؛ أو بما هو أقدم زمانا، إن كانت من الزمانيّات. و بالجملة، يتعيّن و يتصوّر الحقيقة الغير المتعيّنة و المتصوّرة بالتعيّن الأسبق و الصورة الأقدم. و الماهيّة، أينما حلّت، تتقدّم على لواحقها و أعراضها من التعلّقات الملكوتيّة و تقدّراتها و لواحقها المادّيّة و أعراضها؛ كما أنّ أصل التقدّر و التعلّق متقدّمان على لواحقهما الآخر. فتصوّر الحقيقة أوّلا بالماهيّة، ثمّ غيرها من اللواحق، الأسبق فالأسبق. و عند التفتيش التّام و الفحص الكامل عن حال مراتب الوجود و عالم النزول و الصعود، لا نرى فيها ما تعيّن بالماهيّة فقط، دون لواحقها، إلّا الحقيقة العقليّة لا غير. و أمّا سائر الموجودات، من أيّ عالم كان، له تعيّن زائد على تعيّن الماهيّة؛ فيجب أن يكون متأخّرا عنها، و هي متقدّمة عليها، تقدّما دهريّا؛ كما أنّ تقدّم الحقيقة الغير المتعيّنة على المتعيّنات يكون تقدّما بالحقيقة؛ بل تقدّما حقّانيّا أزليّا. و لا تظنّنّ أنّ تلك اللواحق، أي التعلّق و التقدّر الملكوتي و الإنغمار في المادّة و الكون تحت سلطان الزمان و التدريج، كانت من لواحق الوجود و أعراضه، لا الماهيّة، لانفكاكها عنها في التعقّل و التعمّل العقلي. فإنّ ذلك ظنّ فاسد و خيال باطل. لأنّ سنخ ذات الملكوت هو التعلّق و التقدّر؛ و سنخ ذات الملك هو الإسارة بالمادّة و لواحقها، لا يمكن انفكاكها ذاتا و تعقّلا، خارجا و ذهنا. و لهذا حدّدت «النفس» بأنّها كمال أوّل لجسم طبيعي آليّ؛ و صار علم النفس من «الطبيعيّات». [١] و قد أقام شيخ العرفاء الكاملين و أعظم الفلاسفة المعظّمين، صدر الحكماء و المتألّهين، [١١١] قدّس اللّه نفسه الشريفة، البرهان على أنّ نفسيّة النفس في ابتداء نشأتها ليست من العوارض اللاحقة بذاتها، لازمة كانت أو مفارقة. [١١٢] كذلك أسر الصور الملكية بالمادّة و لواحقها ذاتا ممّا قام البرهان عليه. و لو لا مخافة التوطيل لذكرنا ما يفيدك الاطمينان و اليقين، إلّا أنّ الرسالة غير موضوعة لتحقيق تلك المباحث.
[١] قال الشيخ في الفصل الأوّل من الفنّ السادس من «الطبيعيّات»: و اسم «النفس» يقع عليها لا من حيث جوهرها، بل من حيث هي مدبّرة للأبدان و مقيسة إليها. فلذلك يؤخذ البدن في حدّها، كما يؤخذ مثلا البناء في حدّ الباني؛ و إن كان لا يؤخذ في حدّه من حيث هو إنسان. و لذلك صار النظر في النفس من العلم الطبيعي؛ لأنّ النظر في النفس من حيث هي نفس نظر فيها من حيث لها علاقة بالمادّة و الحركة. انتهى. منه دامت فيوضاته.
[١١١] محمد بن إبراهيم الشيرازي (٩٧٩- ١٠٥٠ ه.) لقب ب «صدر الدين» و «صدر المتألهين» و اشتهر ب «المولى صدرا» من كبار حكماء الإسلام في القرن الحادي عشر. أسس مدرسته المعروفة ب «الحكمة المتعالية» و أحدث آرائه البديعة في الفلسفة، و التي فاقت الفلسفات الأخرى و شغلت الحكماء من بعده بالبحث و التدريب فيها. من اساتذته الاجلاء: المحقق الداماد و المير فندرسكى و بهاء الدين العاملي. و اشتهر من تلامذته الكثيرين: الفيض الكاشاني و عبد الرزاق اللاهيجي، الملقب ب «فياض». اعظم آثاره و أهمها: الاسفار الأربعة. ضمنها جل آرائه الفلسفية و توسع في بيانها و تفصيلها. و من سائر كتبه: تفسير القرآن الكريم، شرح اصول الكافي، المبدأ و المعاد، مفاتيح الغيب، الشواهد الربوبية، اسرار الآيات، و حاشية على كتاب الشفاء لابن سينا.
[١١٢] الاسفار الأربعة، ج ٨، ص ١٢، «السفر الرابع»، الباب الأول.