قبسات من السيرة العلوية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٨ - ٤٨ أبواب البرّ
والثواب، إلّاأنّه يفرح قلباً أحياناً أخرى بسخائه ويستقر وضعه، فمثل هذا السخاء نافذ في قلب الإنسان وفي غاية الرفعة. لا ينبغى أن ننسى أنّ اللَّه يقضي حوائج أغلب عباده بواسطتنا، ولا نتصور أنّ ما لدينا لنا، بل أحياناً لا نكون سوى واسطة وهنيئاً لأولئك الذين يكونون واسطة بين اللَّه والمحتاجين. وقد بيّن تعالى هذا المطلب بأحسن صورة في الآية الكريمة من سورة الحديد: «آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ».
ويتطلب شرح الإنفاق في حياة الأئمّة المعصومين عليهم السلام كتاباً مستقلًا، فبعض الأئمّة عليهم السلام قسموا أموالهم مع الفقراء أكثر من مرّة في حياتهم [١] والنموذج البارز على ذلك سورة الدهر [٢].
الثاني: طيب الكلام
الكلام الطيب وحسن الخلق معين لا ينضب. فالمصدر المالي للإنسان محدود ومتوقع وحاجة المحتاجين لا حدود لها، ومن الواضح أنّ المحدود لا يلّبي حاجة اللامحدود. غير أنّ اللَّه وهب الإنسان مصدراً غير محدود وهو طيب اللسان ليلبّي الحاجات اللامحدودة للمحتاجين، فلابدّ من التعامل معهم بلسان طيب الكلمة بعيداً عن الكلمات الجارحة. فإن تعذر مدّ يد العون مادياً فلابدّ من اللطف بهم لساناً. فما يفعله الأدب لا تسعه عشرات الأدلة. ولطيب الكلام جاذبة عجيبة سيما في الوقت الذي نتهم فيه بالعنف.
الثالث: الصبر على الأذى
الدنيا موضع الصعاب والمعضلات والمنغّصات؛ فالمصيبة والقحط والجفاف والزلزال والسيل ومختلف الأمراض وما شاكل ذلك من منغّصات الدنيا. وهنالك بعض الحوادث في السياقة وسائر الأمور التي نواجهها كل يوم ولابدّ من تحملها جميعاً وتذكير الآخرين بها بلسان طيب ليمكن بلوغ أبواب البِرّ.
[١]. نقل المرحوم الشيخ عباس القمي في منتهى الآمال، ج ١، ص ٤١٧، عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ الإمام الحسن عليه السلام قسم جميع أمواله على الفقراء ثلاث مرات فأخذ نصفها ودفع النصف الآخر للفقراء.
[٢]. ذكرنا شرح هذه القصة نقلًا عن مصادر أهل السنّة في كتاب آيات الولاية في القرآن.