إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٢٥ - و من كلامه المنظوم
إني جالس في تلك العشية التي قتل أبي صبيحتها و عمتي زينب عندي تمرضني، إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباء له و عنده حويّ مولى أبي ذر الغفاري و هو يعالج سيفه و يصلحه و أبي يقول:
يا دهر أفّ لك من خليل كم لك بالإشراق و الأصيل من صاحب أو طالب قتيل و الدهر لا يقنع بالبديل و إنما الأمر إلى الجليل و كل حيّ سالك السبيل فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها، فعرفت ما أراد، فخنقتني عبرتي فرددت دمعي و لزمت السكوت، فعلمت أن البلاء قد نزل، فأما عمتي فإنها سمعت ما سمعت و هي امرأة و في النساء الرقة و الجزع، فلم تملك نفسها أن و ثبت تجرّ ثوبها و إنها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت: واثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت أمي و علي أبي و حسن أخي، يا خليفة الماضي و ثمال الباقي.
فنظر إليها الحسين عليه السلام فقال: يا أخيّة لا يذهبن حلمك الشيطان.
قالت: بأبي أنت و أمي يا أبا عبد اللّه، استقتلت نفسي فداك، فردّ غصته و ترقرقت عيناه و قال: لو ترك القطا ليلا لنام.
قالت: يا ويلتا، أ فتغصب نفسك اغتصابا؟ فذلك أقرح لقلبي و أشد على نفسي.
و لطمت وجهها و أهوت الى جيبها و شقّته و خرّت مغشيا عليها، فقام الحسين فصب على وجهها الماء، و قال لها: يا أخية، اتقي اللّه و تعزّي بعزاء اللّه، و اعلمي أن أهل الأرض يموتون و أن أهل السماء لا يبقون، و أن كل شيء هالك الّا وجه اللّه الذي خلق الأرض بقدرته و يبعث الخلق فيعودون و هو فرد وحده، أبي خير مني و أمي خير مني، و أخي خير مني، و لي و لهم و لكل مسلم برسول اللّه أسوة. فعزاها بهذا و نحوه و قال لها:
«يا أخية، إني أقسم عليك فأبرّي قسمي، لا تشقي عليّ جيبا و لا تخمشي عليّ وجها و لا تدعي عليّ بالويل و الثبور إذا أنا هلكت. ثم جاء بها حتى أجلسها عندي