فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٦٩ - أحكام البنوك آية اللّه الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
في هذا القسم من الودائع ما يوجب الحرمة .
أقـول :إنّ ما ذكر في الروايات من المفاسد المترتّبة على الربا إنّما هو من باب حكمة تحريم الربا لا علّته ، والحكم لا يدور مدار الحكمة ، وعليه : فالقرض مع الشرط ربا محرّم سواء ترتّب عليه شيء من المفاسد أم لا .
إلاّ أن يرجع إلى واحد من العقود الشرعية ؛ كما حاول إرجاعه إليها جمع من الفضلاء فأدرجوه في العقود الشرعية حيث رأوه قابلاً للدخول تحت عنوان المضاربة ، كما ذكروا لذلك ضوابط وحدوداً ، وذلك بأن يصير البنك عاملاً وصاحب المال مضاربا والربح يقسّم بينهما ، لكن يرد على هذا البيان إشكالات أربعة :
الأوّل :ما عليه بعض الفقهاء من اشتراط النقدين في المضاربة ، والأوراق ليست منها .
وجـوابهما عرفت من صحّة المضاربة بالنقود الورقية أيضا ؛ لشمول عموم {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (١)لهذا النوع من المضاربة ، ولعدم قيام دليل على اعتبار هذا الشرط ـ تخصيصها بالنقدين ـ بعنوان كونها القدر المتيقن ، كما ذهب إليه البعض ، فإنّ دليل العموم لفظي لا لبّي ، فلا وجه للاقتصار فيه على القدر المتيقن ، هذا مضافاً إلى عدم إجماع تعبّدي في البين .
الثــاني :اشترط كثير من الفقهاء كون المضاربة في التجارة ، وأعمال البنوك لا تنحصر في التجارة ، بل هي أعمّ منها ، كتشغيل الأموال في المصانع وبناء المساكن وتعبيد الطرق والزراعة وغيرها .
وجـوابهقد تبيّن ممّا تقدّم في الجواب عن الأوّل : من عدم قيام الدليل على اعتبار ما ذكروه إلاّ اقتصارا على المتيقن . حيث رأوا ـ كما يظهر من كلماتهم ـ المضاربة مخالفة للاُصول فأخذوا بالقدر المتيقّن ، مضافاً إلى ما تقدّم من شمول الدليل لجميع العقود إلاّ ما خرج بالدليل ، حسب ما تقتضيه القاعدة من صحّة جميع العقود العقلائية إلاّ ما خرج منها بالدليل ، ومع فرض عدم شمول عنوان المضاربة لها فلا أقلّ من كونها عقداً صحيحاً سواء اُطلق عليها
(١) المائدة : ١.