مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٢٠٦ - المعنى
٢٠٦
(١) - أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها قالت و أنا و الله أعلم أني بريئة و ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى و لكني كنت أرجو أن يرى رسول الله رؤيا يبرئني الله بها فأنزل الله تعالى على نبيه و أخذه ما كان يأخذه من برحاء الوحي حتى أنه لينحدر عنه مثل الجمان من العرق في اليوم الثاني من ثقل القول الذي أنزل عليه فلما سرى عن رسول الله ص قال أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك فقالت لي أمي قومي إليه فقلت و الله لا أقوم إليه و لا أحمد إلا الله فهو الذي أنزل براءتي فأنزل الله تعالى «إِنَّ اَلَّذِينَ جََاؤُ بِالْإِفْكِ» الآيات العشر.
المعنى
«إِنَّ اَلَّذِينَ جََاؤُ بِالْإِفْكِ» أي بالكذب العظيم الذي قلب فيه الأمر عن وجهه «عُصْبَةٌ مِنْكُمْ» أيها المسلمون قال ابن عباس و عائشة منهم عبد الله بن أبي سلول و هو الذي تولى كبره و مسطح بن أثاثة و حسان بن ثابت و حمنة بنت جحش «لاََ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» هذا خطاب لعائشة و صفوان لأنهما قصدا بالإفك و لمن اغتم بسبب ذلك و خطاب لكل من رمى بسبب عن ابن عباس أي لا تحسبوا غم الإفك شرا لكم بل هو خير لكم لأن الله تعالى يبرئ عائشة و يأجرها بصبرها و احتسابها و يلزم أصحاب الإفك ما استحقوه بالإثم الذي ارتكبوه في أمرها و قال الحسن هذا خطاب للقاذفين من المؤمنين و المعنى لا تحسبوا أيها القذفة هذا التأديب شرا لكم بل هو خير لكم فإنه يدعوكم إلى التوبة و يمنعكم عن المعاودة إلى مثله «لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اِكْتَسَبَ مِنَ اَلْإِثْمِ» أي لكل امرئ من القذفة جزاء ما اكتسبه من الإثم بقدر ما خاض و أفاض فيه و قيل معناه على كل امرئ منهم عقاب ما اكتسب كقوله «وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهََا» أي فعليها «وَ اَلَّذِي تَوَلََّى كِبْرَهُ» أي تحمل معظمه «مِنْهُمْ لَهُ عَذََابٌ عَظِيمٌ» المراد به عبد الله بن أبي سلول أي فإنه كان رأس أصحاب الإفك كان يجتمع الناس عنده و يحدثهم بحديث الإفك و يشيع ذلك بين الناس و يقول قال امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها و الله ما نجت منه و لا نجا منها و العذاب العظيم عذاب جهنم في الآخرة و قيل المراد به مسطح بن أثاثة و قيل حسان بن ثابت فإنه روي أنه دخل على عائشة بعد ما كف بصره فقيل لها أنه يدخل عليك و قد قال فيك ما قال و قد قال الله تعالى و الذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم فقالت عائشة أ ليس قد كف بصره فأنشد حسان قوله فيها:
حصان رزان ما تزن بريبة # و تصبح غرثى من لحوم الغوافل