مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٢٩ - المعنى
(١) - لو كان كذلك لجاز أن تقول جاءني القوم لزيدا بمعنى إلا زيدا فالوجه الصحيح فيه أنه جعل أن هذه مخففة من الثقيلة و أضمر فيها اسمها و رفع ما بعدها على الابتداء و الخبر و جعل الجملة خبر إن و إذا كانت إن مخففة من الثقيلة لزمتها اللام ليكون فرقا بينها و بين أن النافية و أما تشديد النون في قول ابن كثير ففيه وجهان (أحدهما) أن يكون عوضا من ألف هذا التي سقطت من أجل حرف التثنية (و الآخر) أن يكون للفرق بين النون التي تدخل على المبهم و النون التي تدخل على المتمكن و ذلك أن هذه إنما وجدت مشددة مع المبهم و أما قوله «فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ» قال أبو الحسن إنما يقولون بالقطع إذا قالوا أجمعوا على كذا فأما إذا قالوا أجمعوا أمركم و أجمعوا كيدكم فلا يقولون إلا بالوصل قال و بالقطع أكثر القراء قال فأما أن يكون لغة في هذا المعنى لأن باب فعلت و أفعلت كثير و أن يكون أجمعوا على كذا ثم قال كيدكم على أمر مستأنف قال أبو علي فإن قيل فقد تقدم ذكر قوله «فَجَمَعَ كَيْدَهُ» فإذا قيل فاجمعوا كيدكم كان تكريرا قيل لا يكون كذلك لأن ذلك في قصة و هذا في أخرى ذاك إخبار عن فرعون في جمعه كيده و سحره و هذا فيما يتواصى به السحرة في جمع كيدهم و يشبه أن يكون ذلك على لغتين كما ظنه أبو الحسن قال الشاعر:
و أنتم معشر زيدوا على مائة # فاجمعوا أمركم طرا فكيدوني
فقوله «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ» بمنزلة فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ لأن كيدهم من أمرهم و أما قوله «يُخَيَّلُ إِلَيْهِ» فمن قرأ بالياء فإنه فعل فارغ و فاعله قوله «أَنَّهََا تَسْعىََ» و من قرأ بالتاء فعلى هذا يكون فاعله الضمير المستكن فيه العائد إلى الحبال و العصي و أنها تسعى في محل الرفع لأنه بدل من ذلك الضمير و هو بدل الاشتمال و يجوز أن يكون موضعه على هذه القراءة نصبا أيضا على معنى يخيل إليه كونها ذات سعي.
ـ
المعنى
ثم حكى سبحانه عن فرعون أنه نسب موسى إلى السحر تلبيسا على قومه بأن قال «أَ جِئْتَنََا لِتُخْرِجَنََا مِنْ أَرْضِنََا بِسِحْرِكَ يََا مُوسىََ » أي من أرض مصر } «فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ» أي مثل ما أتيت به «فَاجْعَلْ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكَ مَوْعِداً لاََ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَ لاََ أَنْتَ مَكََاناً سُوىً» أي اضرب بيننا و بينك موعدا مكانا يعد لحضورنا ذلك المكان لا يقع منا في حضوره خلاف ثم وصف المكان بأنه تستوي مسافته على الفريقين و مكانا بدل عن موعد و قيل مكانا سوى أي عدلا بيننا و بينك عن قتادة و قيل منصفا بكون النصف بيننا و بينك عن مجاهد } «قََالَ» موسى «مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ اَلزِّينَةِ» و كان يوم لهم فسمي يوم الزينة لأن الناس يتزينون فيه و يزينون به الأسواق عن مجاهد و قتادة و السدي «وَ أَنْ يُحْشَرَ اَلنََّاسُ ضُحًى» يعني ضحى ذلك اليوم و يريد بالناس أهل مصر بقول يحشرون إلى العيد ضحى فينظرون إلى أمري و أمرك فيكون