جواهر الأصول - تقريرات - الأنصاري الأراكي، الشيخ محمد إبراهيم - الصفحة ٢٢٤ - الاحتمال الثالث الارتباط بالمصالح العاجلة
و أما اذا كانت صحة المدح و الذم أمراً واقعياً ثابتاً بقطع النظر عن أي اعتبار، فيكفي ذلك في تصوير الحسن و القبح العقليين بلا حاجة الى ضم دعوى الانبساط و الانقباض و الملاءمة و المنافرة في القوة العاقلة، إلا أن يكون مقصوده (قدس سره) مجرد كونه معرفاً، و قد ظهر من تضاعيف ما ذكرناه عدم امكان ارجاع العقل العملي المدعى الى باب الميل و الغريزة و سلخه عن الصفة الادراكية، بحيث يكون مجرد دافع نفسي في مقابل سائر الدوافع و الميول المركوزة في طبيعة الانسان، فان ارجاعه الى ذلك يؤدي الى عدم امكان تطبيق قضاياه على خارج حدود الفعل المباشر لصاحب الميل و الغريزة، فان الميل في كل انسان انما يقتضي فعلًا و لا يقتضي حكماً، و لا ربط له بالفعل الصادر من الغير، و لو كان مخالفاً سنخاً للفعل الذي يقتضي الميل صدوره من صاحب الميل، مع اننا نطبق العقل العملي حتى على الباري سبحانه، فنقول: ان العدل منه حسن، و الظلم منه قبح مثلًا، كما ان من زال عنه الميل الى الخير بسبب توغله في الشر يميز بين الحسن و القبح ايضاً، مع انه لا يشتهي الحسن، فالتمييز اذاً تمييز عقلي ادراكي لا ميلي غريزي.
كما انه بما ذكرناه يظهر ما هو المعروف عن الفلاسفة في هذا المقام، فانهم سموا قضايا الحسن و القبح العقليين بالقضايا المشهورة، و جعلوها من القضايا الواجبة التسليم، و إن لم تكن من القضايا الواجبة الاعتقاد و الضرورية الصدق، و قالوا بشأنها انها ترجع الى مصالح و مفاسد لبقاء النوع و حفظ النظام، و لكن لا كل مصلحة و مفسدة، بل تلك المصالح و المفاسد التي يدركها العاقل بما هو عاقل بلا مزية تمعن و تأمل، و يترتب على ذلك ان تكون الملاكات مدركة لتمام العقلاء لاشتراكهم في سبب الادراك، و نتيجة لهذا يتطابق العقلاء على صحة المدح و صحة الذم، و يتكون العقل العملي.
و قد عرفنا سابقاً أن ربط الحسن و القبح بالمعنى المدرك لمعاشر العقلاء بباب المصالح و المفاسد المترتبة على الافعال الحسنة و الأفعال القبيحة أمر غير صحيح، سواء أريد بالمصالح و المفاسد المترتبة أو الملحوظة ملاكاً ما يعود على النفس بالكمال أو على المجتمع لحفظ النظام و بقاء النوع، لأن ذلك يؤدي الى تطبيق