تحرير الأصول - الموسوي الجزائري، السيد محمد علي - الصفحة ٣٠٤ - في اتّحاد الطلب و الإرادة
الموجود في افق النفس و كونه مغايرا له مع كون كليهما من الكيفيّات النفسيّة.
و استدلّوا على مدعاهم تارة بالوجدان؛ بأنّ كلّ متكلّم يرتّب المعاني في نفسه، فيعزم على التكلّم، و بإمكان تخلّف المدلولات عن العلم بها؛ لإمكان الإخبار مع تعمّد الكذب أو مع الشكّ.
و يرد عليه: أمّا ما قاله من ترتيب المعاني و المدلولات في الذهن ثمّ التكلّم بها، فإنّه أمر اتّفاقي، و لا يتوقّف طبيعة التكلّم عليه. كيف و كثيرا ما يتّفق التكلّم بالبداهة من دون أن يكون أمام سلطان أو عالم.
و أمّا إمكان الإخبار كذبا؛ فهو يتكلّم بما لا يعلم به أو يطلب شيئا من دون أن يكون مريدا له. فنحن نسلّم أنّ التكلّم سواء كان إخباريّا أو إنشائيّا يحتاج إلى تصوّر المطالب و إخطارها بالبال و هو أمر زائد على العلم لما قالوا من إمكان الكذب، و لأنّ العلم قد يصير مخزونا في النفس و لا يكفي ذلك في التكلّم؛ لأنّ التكلّم متوقّف على إحضار المعاني بالبال و تذكارها و هو أمر وراء العلم.
فلو كان هذا مرادهم من الكلام النفسي فهو صحيح. لكن تسميته بالكلام عجيب، لضرورة أنّ كلّ فعل خارجي عمدي يكون حين الإتيان ملتفتا إليه فلو بنى على تسمية ذلك بالفعل النفسي لزم أن يقال: بالأكل النفسي و الشرب النفسي و هكذا و هو كما ترى. فلا يصدق عليه الكلام النفسي و لا الطلب النفسي.
و لكن لا بدّ من التفصيل بين الحقّ (سبحانه و تعالى) و غيره من حيث إنّ علمه تعالى حضوري لا يطرأ عليه الغفلة و الذهول، لكي يحتاج فعله إلى تصوّر و خطور بالبال، بل يكفي نفس علمه الأزلي لصدور الفعل منه و إن كان فعله حادثا.
و من ناحية اخرى يستحيل عليه الكذب؛ لأنّه أصدق القائلين. فصحّ أن نقول: إنّ كلام الباري (جلّ و علا) اللّفظي لا يتوقّف إلّا على علمه الأزلي و ليس شيء وراء ذلك.