تحرير الأصول - الموسوي الجزائري، السيد محمد علي - الصفحة ٥٦ - القول بأنّ الوضع اعتبارى محض
كذلك، بل كان المتلقّى من المتكلّم ابتداء نفس الألفاظ و كان انتقال الذهن إلى المفاهيم بوساطتها.
و فيه: أنّ ما ذكر عبارة عن شدّة الكشف و المرآتية تكوينا و خارجا، و هو غير الهوهوية و العينية أوّلا، و ليس من آثار الوضع ثانيا، إذ هو مولود كثرة الاستعمال الموجبة لشدّة انس الذهن و سرعة الانتقال. و أمّا الحاصل بنفس الوضع فهو العلامية، و الشاهد عليه ما نراه في ابتداء تعلّم اللغات من الالتفات إلى الألفاظ أوّلا ثمّ إلى المعاني.
مضافا إلى أنّ وجود الهوهوية خارجا لو فرضنا أنّ سرعة الانتقال دليل عليه لا يكاد يحصل بإنشاء الهوهوية و اعتباره، بل يكون ناشئا من انس الذهن الحاصل بكثرة الاستعمال.
الثاني: أنّه جاء في الفلسفة أنّ للوجود مراتب أربع: الخارجي و الذهني و الكتبي و اللّفظي، و لو لم يكن بين اللّفظ و المعنى اتّحاد و هوهوية كيف يصير وجود اللّفظ وجودا للمعنى؟ و حيث إنّ الاتّحاد ليس بوجداني و حقيقي فلا بدّ و أن يكون اعتباريا جعليا بوضع الواضع.
و فيه: أنّه صرف اصطلاح لم يقم عليه دليل و لا برهان، بل البرهان و الوجدان شاهدان على أنّ اللّفظ غير المعنى و وجود كلّ منهما يغاير وجود الآخر، و لكن أحدهما علامة مجعولة بوضع الواضع على الآخر. و كيف يمكن أن يكون اللّفظ الذي هو من مقولة العرض متّحدا مع المعنى الذي هو إمّا جوهر أو عرض آخر يغاير سنخ اللّفظ الذي هو من سنخ الكيف المسموع.
ثمّ إنّهم جاءوا لتأييد المطلب بشاهدين: الأوّل: سراية الحسن و القبح من المعاني إلى الألفاظ. و الثاني: أنّ الوضع تابع للاستعمال، فكما لا يكون للألفاظ في مقام الاستعمال أهمّية و اعتبار مستقلّا و إنّما يستفاد منها لصرف الحكاية عن