أقضية رسول الله(ص) - ابن طلاع القرطبي - الصفحة ٥٩ - «حكم رسول اللّه
الإسلام. و أمره تعالى بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا، أو يؤدوا الجزية. فقال تعالى قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: الآية ٢٩]. قد دخل في ذلك من تعلق من العرب بدين أهل الكتاب، فأخذ النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الجزية من أهل نجران و أيلة و هم نصارى من العرب، و من أهل دومة الجندل و هم نصارى و أكثرهم عرب، و لم يستثن اللّه تعالى أخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، و أمر نبيه (صلى اللّه عليه و سلم) بقتال غيرهم، ثم نسخ من ذلك المجوس على لسان نبيه (عليه السلام) فيما بين لهم من سنته بغير تنزيل قرآن فأحل لهم أخذ جزية من مجوس العجم إذ رضوا بها، و أقر مشركي العرب و هم عبدة الأوثان على أن يقاتلهم حتى يدخلوا في الإسلام بلا جزية استثناها فيهم إكراما للعرب.
و الذي ذكر ابن حبيب من نسخ القرآن بالسنة اختلف العلماء فيه فأجازه أصحاب مالك و احتجوا بقول النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «لا وصية لوارث» [١]. ناسخ لقول اللّه عز و جل: الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ [البقرة: الآية ١٨٠]. و احتج الذين منعوا منه بأن القرآن معجزة و السنة غير معجزة فلا تنسخ السنة القرآن إنما تبينه، و لقوله عز و جل: وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ [النّحل: الآية ١٠١]. و لقوله لنبيه (صلى اللّه عليه و سلم) قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي [يونس:
الآية ١٥].
و ذكر عبد الرزاق في مصنفه و أبو عبيد في كتاب الأموال: أن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أمر معاذ بن جبل أن يأخذ من أهل اليمن الجزية من كل حالم و حالمة. زاد أبو عبيد: عبدا أو أمة: دينارا أو قيمته معافر [٢]، و بهذا أخذ الشافعي، و أخذ مالك بما فرض عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- أربعة دنانير على أهل الذهب و أربعون درهما على أهل الورق و لا جزية على النساء و العبيد، و معنى الحديث عند بعض أهل العلم أن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) علم ضعف أهل اليمن، و عمر علم غنى أهل الشام و قوتهم، و قال أشهب [٣]. في الأمم كلها إذا بذلت الجزية قبلت منهم فأهل الكتابين بكتاب اللّه و المجوس بالسنة، و قال ابن وهب: إنما قاتل النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قريشا على الإسلام أو السيف فمن كان من العرب من تغلب و تنوخ و غيرهم لم يدخل في ملة لم يقبل منه الجزية و يقاتلون على الإسلام، و من دخل منهم في دين أحد من أهل الكتب قبلت منه الجزية.
[١] رواه الترمذي (٢١٢١)، و أبو داود (٣٥٦٥) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه. و قال الترمذي: حديث حسن.
[٢] رواه عبد الرزاق في المصنف (٦٨٤١)، و الطيالسي (٥٦٧)، و أبو داود (٣٠٣٨) و قال ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٢٧٥): و قد روي هذا الخبر عن معاذ بإسناد متصل صحيح ثابت. ذكره عبد الرزاق.
[٣] أشهب هو ابن عبد العزيز بن داود الإمام الثقة. مفتي مصر. أبو عمرو القيسي العامري يقال اسمه مسكين. و أشهب لقب له. سمع مالك بن أنس، و الليث بن سعد، و يحيى بن أيوب. قال فيه الشافعي:
ما أخرجت مصر أفقه من أشهب لو لا طيش فيه. كان على خراج مصر و كان صاحب أموال و حشم توفي لثمان بقين من شعبان سنة أربع و مائتين.