أقضية رسول الله(ص) - ابن طلاع القرطبي - الصفحة ٣٧ - «حكم رسول اللّه
أصحابه، فكلّمهم في أن يعينوه في دية الكلابيين اللّذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فقالوا:
نفعل يا أبا القاسم، و خلا بعضهم ببعض فتوامروا فيه و هموا بالغدر به، و قال عمرو بن جحاش النضيري: أنا أظهر على البيت، و أطرح عليه صخرة، و ذكر غيره رحى فقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا فو اللّه ليخبرن بما هممتم به و إنه لنقض العهد الذي بيننا و بينه. و جاء إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الخبر بما همّوا به. قال غيره: نزل جبريل- (عليه السلام)- فأخبره فنهض مسرعا فتوجه إلى المدينة، و لحقه أصحابه فقالوا: قمت و لم نشعر. فقال: «همّت يهود بالغدر فأخبرني اللّه عز و جل بذلك»، و بعث إليهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «أن اخرجوا من بلدي لا تساكنوني، و قد هممتم بغدري و قد أجّلتكم عشرا فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه». فأقاموا أياما يتجهزون، و أرسل إليهم عبد اللّه ابن أبي: لا تخرجوا من دياركم فإنّ معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون حولكم، و تنصركم قريظة و حلفاؤكم من غطفان. فطمع حيي فيما قال له و بعث إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إنا لا نخرج من ديارنا فافعل ما بدا لك. فأظهر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) التكبير، فسار إليهم، و علي بن أبي طالب يحمل رايته فلما رأوه قاموا على حصونهم و معهم النبل و الحجارة، و اعتزلتهم قريظة، و خانهم ابن أبيّ و حلفاؤهم من غطفان، و حاصرهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و قطع نخلهم فقالوا: نخرج من بلدك. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لا نقبل ذلك. و لكن اخرجوا و لكم دماؤكم و ما حملت الإبل إلا الحلقة» يعني السلاح، فنزلوا على ذلك و قبض النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الأموال و الحلقة، و كانت أموال بنو النضير خالصة لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لنوائبه و لم يخمّسها لأن اللّه عز و جل أفاءها عليه، و لم يوجف المسلمون عليها بخيل و لا ركاب، فهذا جزاء بني النضير الذي قال اللّه عز و جل: فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [البقرة: الآية ٨٥]. و قوله عز و جل: وَ لِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [الحشر: الآية ٥] [١].
و أما قريظة فسار إليهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في ثلاثة آلاف من المسلمين فحاصرهم خمسة عشر يوما، فأرسلوا إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): أن يرسل إليهم أبا لبابة فأرسله إليهم فشاوروه في أمرهم فأشار إلى حلقه أنه الذبح، ثم ندم فاسترجع فقال: خنت اللّه و رسوله فلم يرجع إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و سار إلى المسجد، و ارتبط بسارية و لم يأت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى أنزل اللّه توبته. ثم نزلوا على حكم النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فأمر بهم (عليه السلام) محمد بن مسلمة فكتفوا و نحوا ناحية، و استعمل عليهم عبد اللّه بن سلام، فجمع أمتعتهم و ما وجد في حصونهم من الحلقة و الأثاث فوجد فيها ألفين و خمسمائة سيف، و ثلاثمائة درع و ألف رمح و خمسمائة ما بين ترس و حجفة. و وجد عندهم جرار خمر فأهرق، و لم يخمّس، و كلّمت الأوس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فيهم: أن يهبهم لهم و كانوا حلفاءهم، فجعل النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل المقاتلة، و سبي النساء و الذرية، و أن تقسم
[١] رواه ابن سعد في طبقاته (٢/ ٤٣ و ٤٤)، و ابن جرير الطبري (٢/ ٥٤٢)، و ابن هشام في السيرة (٢/ ١٧٤) باب أمر إجلاء بني النضير في سنة أربع من حديث ابن إسحاق.