أقضية رسول الله(ص) - ابن طلاع القرطبي - الصفحة ١١٦ - «حكم رسول اللّه
قدم صفوان إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بردائه ناداه على رءوس الناس فقال: يا محمد إن هذا وهب بن عمير جاءني بردائك و زعم أنك دعوتني للقدوم عليك، فإن رضيت أمرا قبلته و إلا سيرتني شهرين. قال: فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «بل لك أن تسير أربعة أشهر»، ثم إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خرج قبل هوازن بحنين، فأرسل إلى صفوان بن أمية يستعير أداة و سلاحا عنده، فقال صفوان: أ طوعا أم كرها؟ قال: «بل طوعا»، فأعاره الأداة و السلاح الذي عنده.
و في رواية يحيى: ثم رجع و هو غلط. و الصواب ثم خرج- و كذلك سائر الرواة- مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو كافر فشهد حنينا و الطائف و هو كافر و امرأته مسلمة، و لم يفرق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بينه و بين امرأته حتى أسلم صفوان و استقرت امرأته عنده بذلك النكاح، و كان بين إسلامهما نحوا من شهر [١].
و في مصنف عبد الرزاق عن بعض بني صفوان بن أمية قال: استعار النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) من صفوان عاريتين: إحداهما بضمان و الأخرى بغير ضمان [٢].
و في السير و غيرها، و ذكره ابن شعبان: أن العارية كانت مائة درع بما يكفيها من السلاح، و زعموا أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سأله أن يكفيهم حملها ففعل. و في كتاب النسائي: حملها على ثلاثين جملا [٣]، و في غير الموطأ: أن صفوان بن أمية قال لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لما سأله السلاح: أ غصبا يا محمد؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «بل عارية مؤداة» [٤]، فأصحاب الكلام يرون العارية في ضمان المستعير حتى يؤديها إلى صاحبها و إن تلفت و عرف تلفها لم يسقط الضمان لظاهر الحديث.
و مالك- (رحمه اللّه)- و غيره أيضا يقولون: إذا قامت بينة بهلاك العارية سقط الضمان، فإن كانت مما لا يغاب عليه: كالحيوان، فلا ضمان عليه، و هو مصدّق في ادعاء التلف مع يمينه ما لم يظهر كذبه.
و في مصنف أبي داود أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «يا صفوان هل عندك من سلاح؟» قال:
أ عارية أم غصب؟ قال: «بل عارية»، فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعا، و غزا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حنينا فلما هزم المشركون جمعت دروع صفوان ففقد منها أدراعا، فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لصفوان:
«إنا فقدنا من دروعك أدراعا فهل نغرم لك»، فقال: لا يا رسول اللّه لأن في قلبي اليوم ما لم
[١] رواه مالك (٢/ ٥٤٣ و ٤٤٤) بلاغا و إسناده منقطع- قال ابن عبد البرّ: لا أعلمه يتصل من وجه صحيح.
و هو حديث مشهور معلوم عند أهل السير. و ابن شهاب إمام أهلها. و شهده هذا الحديث أقوى من إسناده. و قد روى بعضه مسلم.
[٢] رواه عبد الرزاق (١٤٧٨٩) و فيه جهالة الرجل. الراوي عنه معمر رحمه الله.
[٣] رواه النسائي (٥٧٧٦) و (٥٧٧٧)، و الدارقطني (٣/ ٣٩) من حديث يعلى بن أمية رضي اللّه عنه. و هو حديث صحيح.
[٤] رواه الدارقطني (٣/ ٣٩ و ٤٠) من حديث يعلى بن أمية و هو حديث حسن.