العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٤١٠ - محمد بن موسى بن على بن عبد الصمد بن محمد بن عبد اللّه المراكشى، الحافظ المفيد، جمال الدين أبو البركات المكى الشافعى
و خرج مشيخة أيضا لشيخنا مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازى، الآتى ذكره، قاضى اليمن، و أخذ عنه هناك.
و خرج لغير واحد من شيوخه و أصحابه، و شرع فى تخريج «معجم» لى، فألف منه عدة كراريس، فى تراجم المحمدين.
و خرج لنفسه أربعين حديثا متباينة الإسناد و المتون؛ و كلها موافقة لأصحاب الكتب الستة، فجاءت فى غاية الحسن، دالة على كثرة حفظه، و لم يبيضها.
و كتب شيئا كالشرح على «نخبة الفكر» لصاحبنا الحافظ شهاب الدين أبى الفضل ابن حجر، و لم يكمله، و له تواليف كثيرة لم يكملها، منها: شىء على نمط «الموضوعات» لابن الجوزى، و شىء يتعلق بتاريخ المدينة النبوية، و شىء فى علم الحديث، على طريق ابن الصلاح، و لم يكمل شيئا من هذه التواليف.
و دخل اليمن مرات كثيرة، منها: فى سنة عشرين و ثمانمائة، و ولى بها السماع للحديث بالمدرسة التاجية بزبيد، و مال بعد ذلك إلى استيطان اليمن، فنقل إليه تعاليقه و أجزاءه، و كتبه، و ظهر لفضلاء اليمن فضيلته فى الحديث و غيره، فأحبوه و نوهوا بذكره، و نمى خبره إلى الملك الناصر صاحب اليمن، فمال إليه، و نال منه برّ غير مرة، بعد مديحه للملك الناصر بقصائد طنانة.
و توجه من اليمن لقصد الحج، فى النصف الثانى من ذى القعدة، سنة ثلاث و عشرين و ثمانمائة، و كان ببعض المراسى القريبة من جدة فى يوم حار. و ركب فى وسط هذا النهار فرسا عريا، و ركض كثيرا ليدرك الحج، و كان بدنه ضعيفا، فازداد ضعفا، و أدرك أرض عرفة فى آخر ليلة النحر فيما ذكر، و ما أتى إلى منى، إلا فى آخر يوم النفر الأول؛ لأنه مشى على قدميه، و هو شديد الضعف فى يومين إلى المزدلفة، فى يوم النفر الأول، علمنا خبره، فمضى إليه من أحضره إلى منى، و نفر منها إلى مكة، و لم يزل عليلا، و ربما أفاق قليلا فى بعض الأيام؛ حتى مات بعد صلاة الصبح، من يوم الجمعة الثامن و العشرين من ذى الحجة سنة ثلاث و عشرين و ثمانمائة، بمكة المشرفة، بعد أن كتب وصيته بخطه فى هذا اليوم، و دفن بالمعلاة بعد صلاة الجمعة، و تأسف الناس عليه كثيرا، لوفور محاسنه.
و كنت عظيم الأسف عليه، لما بينى و بينه من الصداقة الأكيدة، و لما يفيدنيه فى الحديث و غيره. و قل أن اجتمعت به إلا و أفادنى شيئا. و كان مع وفور فضيلته، يذاكرنى بأشياء كثيرة من متعلقات الحديث. فأذكر له فيها ما يعتمده.