العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٤١ - محمد بن قلاوون الصالحى
بالسلطنة، و خطب له بالديار المصرية، و هو إذ ذاك بالكرك، فى ربيع الآخر سنة ثمان و تسعين، ثم أحضر إليها، و استمر سلطانا إلى أن أظهر التخلى عن الملك، لما تم عليه من كثرة الحجر من نائبه سلار، و أستاداره بيبرس الجاشنكير، حتى قيل إنه منع من خروف مشوى اشتهاه.
و كان تخليه عن الملك، فى آخر سنة ثمان و سبعمائة، بعد أن صار بالكرك، و كان توجه إليها مظهرا لقصد الحج منها، و لما عرف الأمراء بمصر بإعراضه، تسلطن عوضه بيبرس الجاشنكير، و تلقب بالمظفر، و ناب له سلار، و استوسق [٣] له الأمر، و أقام الناصر إلى أثناء سنة تسع و سبعمائة، ثم توجه منها إلى دمشق، راجيا للملك، و حرك عزمه على ذلك، جماعة من المماليك هربوا إليه من مصر، و راسل الناصر الأفرم نائب دمشق؛ ليكون معه فتوقف. و قال ما معناه: كيف يكون هذا و قد أمرنا بالطاعة لغيره- يعنى المظفر- لأن الناصر كان كتب من الكرك لما تخلى عن الملك إلى نواب البلاد، يأمرهم بالطاعة لمن يتسلطن عوضه، ثم إن الأفرم خذل و فرّ إلى الشقيف؛ و وصل إلى الناصر، قراسنقر المنصورى و غيره من نواب البلاد الشامية، و سار بمن انضم إليه إلى الديار المصرية، فوصلها سالما، و جلس على سرير الملك بها، فى يوم عيد الفطر من سنة تسع و سبعمائة، و كان المظفر بيبرس قد توجّه من مصر لقصد الناصر؛ فبان عن المظفر جماعة من أمرائه، و قصدوا الناصر، فخذل المظفر.
و رجع إلى مصر، بعد أن تفرق عنه عسكره، ثم أرسل إلى الناصر يطلب منه الأمان، و أن ينعم عليه بمكان يأوى إليه فى غلمانه، فأجابه إلى ذلك، و عين له مكانا، ثم تغير عن ذلك الناصر بعد قليل، و استدعى المظفر إليه فقتله، و أباد الناصر جماعة من أعدائه.
و قيل: إنه قبض- لما عاد إلى مصر- على السماط اثنين و ثلاثين أميرا، و تمهد له الأمر حتى مات، و هادته الملوك، و فعل أفعالا جميلة.
منها: جامع أنشأه على شاطئ النيل بمصر، يعرف الآن بالجامع الجديد، و مدرسة بالقاهرة، بين القصرين، و تعرف بالناصرية، و قرّر بها دروسا فى المذاهب الأربعة، و القراءات، و التفسير، و العربية، و طلبة و تصادير و غير ذلك، و خانقاه للصوفية بسرياقوس، و غير ذلك، و حج ثلاث مرات، الأولى: فى سنة اثنتى عشرة، و الثانية: فى سنة تسع عشرة، و الثالثة: فى سنة اثنتين و ثلاثين و سبعمائة، و جهزّ إلى مكة العساكر غير مرة، لتمهيد أمرها، و لتأييد من يوليه إمرتها من أولاد أبى نمىّ، و اتفق له من نفوذ
[٣] وسقه: جمعه و حمله. أى: اجتمع له أمور الحكم. انظر القاموس المحيط (مادة: وسق).