التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ٥٥ - باب جرائم الجوارح
في قوله تعالى أَكّٰالُونَ لِلسُّحْتِ قال هو الرجل يقضي لأخيه الحاجة ثم يقبل هديته. و القمار بكسر الفاء مصدر قامر إذا غالب و المراد اللعب بالآلات المعدة للمغالبة كالنرد و الشطرنج و الأربعة عشر و غيرها حتى الجوز و الخاتم و عن الباقر و الجواد (صلوات اللّٰه عليهما) في قوله تعالى وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلٰامِ كانوا يعمدون الى الجزور فيجزونه عشرة أجزاء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام فيدفعونها الى رجل و هي عشرة سبعة لها أنصباء و ثلثه لا أنصباء لها و ثمن الجزور على من لم يخرج له من الأنصباء شيء و هو القمار فحرمه اللّٰه. و الحديث مختصر و البخس في الكيل و الوزن نقصهما و هو التطفيف و قد كرر اللّٰه النهى عنه و التوعيد الشديد عليه في القران و أهلك به امة من الأولين و هو من أمهات المعاصي لاشتماله على الكذب و السرقة و الخيانة و أضرها بالنظام و ذلك لان معايش الخلق لا تنتظم بينهم إلا بالمعاملة و المعاملة لا تنتظم الا بالقسطاس المستقيم و الباخس المخل بالقسطاس مخل بأمر المعاملة و ذلك مستلزم لاختلال المصالح الدنيوية و هي أحد الشطرين اللذين بعث الأنبياء بأسرهم و أنزلت الكتب الإلهية بأسرها لتقريرهما و تثبيتهما في النفوس لأنهم إنما بعثوا لمصلحة الدين و الدنيا و من هذا شانه يبالغ في موعظته و نهيه عن هذا المنكر الذي هو من أشد المناكير ضررا و جناية و يؤدب و يعزر و يهدد بالبأس الشديد و الجهاد بالسيف كما يجاهد الكفار المخلون بالشطر الآخر اعنى المصالح الدينية و آخر الدواء الكي و اليه الإشارة بقوله عز و جل لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْمِيزٰانَ لِيَقُومَ النّٰاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ. و في الحديث (١) ان جبرئيل عليه السلم نزل بالميزان على نوح عليه السلم و قال مر قومك يزنوا به. و يندرج فيه البخس في الذراع لانه من الميزان إذ المراد به الإله التي بها يعرف مقادير الحقوق لتحفظ النسبة بينها و يستعمل فيها بالقسط و العدل بل البصير يلتفت من تحريم البخس في الميزان الى تحريم المشاغبه في الكلام و المغالطة في الحجة و تلبيس الحق بالباطل فان ذلك كله من افراده على وجه أعم و القنوط من رحمة اللّٰه قيل هو اليأس من روح اللّٰه و هو الظاهر المصنف هنا و ربما يفرق بينهما كما هو ظاهر العطف سيما مع الفصل و يأتي في باب الرجاء و الخوف و معونة الظالمين قد وقع في كلام كثير منهم كالمحقق و العلامة و الشهيدين و من وافقهم (قدس اللّٰه أرواحهم) مقيدا بما إذا كانت
(١) رواه الفخر الرازي في التفسير الكبير م