التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ٢١٢ - باب التوحيد و التوكل
قوة يقينه أو ضعفه بعلمه تعالى و قدرته و عنايته بعباده و اختلاف توكله قوة و ضعفا بحسب ذلك ثم ان يعتمد عليه اعتماد الطفل الصغير على الأم فإنه لا يعرف غيرها و لا يفزع الى سواها فان رآها تعلق بذيلها و ان نابه أمر في غيبتها كان أول سابق الى لسانه و خاطره ذكرها فإنها مفزعه إذ وثق بكفالتها و كفايتها و شفقتها ثقة ليست خالية عن نوع ادراك بالتميز الذي له و لو طولب بتفصيل هذه الخصال لم يقدر على تلفيق لقطها و لا على إحضارها مفصلة في ذهنه فمن كان تألهه الى اللّٰه و نظره اليه كلف به كما يكلف الصبي بأمه فيكون متوكلا و هذه تفارق الاولى ب وجهين أحدهما عدم الالتفات الى الاعتماد فان هذا المتوكل قد فني في توكله عن توكله فلا التفات له الا الى المتوكل عليه فقط استغراقا به عن غيره كاستغراق الصبي بالأم بخلاف الأول فإن له التفاتا الى توكله و ذلك شغل صارف عن ملاحظة المتوكل عليه وحده و الآخر ترك التدبير فإن الصبي لا يرى لنفسه مع الأم مصلحة بل مفوض امره كله إليها و اما الموكل فإنه ربما يشير على الوكيل و يعرفه وجوه المصالح و يأمره بالتحفظ عليها ثم ان يكون بين يدي اللّٰه في حركاته و سكناته كالميت بين يدي الغسال لا يفارقه إلا في انه يرى نفسه ميتا و تحركه القدرة الأزلية كما تحرك يد الغاسل الميت و هو الذي قوي يقينه بأنه تعالى مجرى الحركة و القدرة و العلم و الإرادة و سائر الصفات فيكون عين الانتظار لما يجرى عليه و هذه تفارق الثانية بترك الالتفات مطلقا فإن الصبي يفزع الى امه و يصبح و يتعلق بذيلها و يعدو خلفها و الميت لا حراك به بل مثال هذا مثال صبي علم انه و ان لم يزعق بأمه فالام تطلبه و ان لم يتعلق بذيلها فهي تحمله و ان لم يسأل اللبن فهي تفاتحه و تسقيه و هذه المرتبة من التوكل تثمر ترك الدعاء و السؤال ثقة منه بكرمه تعالى و عنايته و هي أندر وقوعا من الأوليين و أقل بقاء منهما لان حصول اليقين المؤدى إليها نادر جدا و إذا حصل كان كالبرق الخاطف لا مطمع في دوامه فهي تشبه صفرة الوجل و حمرة الخجل ثم الثانية فهي كصفرة المحموم قد تدوم يوما أو يومين ثم الأولى فهي كصفرة مريض استحكم مرضه فلا يبعد ان يدوم و لا يبعد ان يزول و عن سهل انه سئل عن التوكل ما أدناه قال ترك الأماني قيل فما وسطه قال ترك الاختيار قيل فما أعلاه فلم يذكره و قال لا يعرفه الا من بلغ أوسطه إشارة الى عزة منالها و بعدها عن الافهام العامية لندرة وقوعها و عدم أنسهم بها و جدواه حبه تعالى كما قال عز من قائل إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ و كمال الايمان كما قال وَ عَلَى اللّٰهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ و التفرغ للعبادة بالإعراض عن الالتفات الى ما يشغل عنها و كفايته تعالى فعن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام)