التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ١٣٧ - باب حب الخمولة
هنا أمران أحدهما القناعة فإن من قنع استغنى عن الناس و إذا استغنى عنهم لم يشتغل قلبه بهم و لم يكن لقيام منزلته في القلوب عنده وزن و لم يبال أ كانت له في قلوبهم منزله أم لا كما لا يبالي ذلك في قلوب الذين هم منه في أقصى الشرق و هذا انما ينفع علاجا في الجاه المحبوب للمال و الآخر الاغتراب الى حيث يخمل ذكره و يكف نفسه عن التعرف إلى اهله و استحداث جاه جديد اما الاعتزال عن الناس في الوطن و التنزل عن المرتبة التي كان مترتبا عليها ف ربما يتراءى انه مما يمكن الخلاص به عن هذا الداء الدفين و افاته لكنه لا يخلو عن مغالطة و ذلك لمعرفة الناس به و تقرر منزلته في قلوبهم فربما يكون غروف نفسه عن مخالطتهم و ميلها الى الانقطاع عنهم بسبب انها ظفرت بمقصودها فسكنت و لو تغيروا عما اعتقدوه فيه أو نسبوه إلى أمر غير لائق جزعت نفسه و تألمت و ربما توصلت الى الاعتذار عن ذلك و إماطة الغبار عن قلوبهم و هذا علامة بقاء شيء من حب الجاه بعد في قلبه و انه لما يفارقه المرض بالكلية فمن ثم كان الاغتراب أقوى و هذا مما ينفع في القسمين ثم ان الكلام في حب المدح ينساق مساق الكلام في حب الجاه لانشعابه عنه و يتبعه كراهة الذم و الناس فيهما على مراتب متنزلة الاولى و هي الأولى كراهة المدح و حب الذم فيمقت المادح لانه فتنة له و يحب الذام لانه مهد اليه حسناته و منبه له على عيوبه و في الحديث النبوي رأس التواضع ان تكره ان تذكر بالبر و التقوى. و فيه (ا) ويل للصائم و ويل للقائم و ويل لصاحب الصوف الأمن قيل يا رسول اللّٰه الأمن فقال الأمن تنزهت نفسه عن الدنيا و أبغض المدحة و استحب المذمة. و هذه شديدة غريزة المنال جدا لا مطمع لنا فيها و من ثم طواها المصنف ثم التسوية بين المدح و الذم فلا تغمه المذمة و لا تسره المدحة (١) و هذه قد يظنها بعض المجاهدين بنفسه فلا بد له من امتحانها و تعرف ب علاماتها و هي تسوية المادح و الذام عنده في استثقال جلوسها أو طوله عنده فلا يجد في نفسه استثقالا للذام أكثر مما يجده في المادح و تسويتهما في الفرح بسرورهما و الغم بمصيبتهما فلا يكون فرحه بسرور المادح أو غمه بمصيبته أكثر من فرحه بسرور الذام و غمه بمصيبته و نحوه التسوية في نهضته لقضاء حوائجهما و توحشه عن انقطاعهما عن مجلسه و عفوه عن زلتهما فمن وجد من نفسه هذه العلامات و أمثالها فهو من أهل هذه المرتبة و ما أبعدها و أصعبها على القلوب و أكثر المتهذبين فرحهم بالمدح مستبطن في قلوبهم و هم لا يشعرون و ربما يشعر بعضهم بميل قلبه الى المادح دون الذام فيعلله الشيطان بان
(١) قال أفلاطون إذا علمت من نفسك انك لا تحزن بالذم و لا تفرح بالمدح فقد صرت حكيما منه عفى عنه