التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ٦٥ - باب التوبة
الاضمحلال و من أهمل المبادرة إلى التوبة و سوفها من وقت الى وقت فهو بين خطرين عظيمين ان سلم من أحدهما فلعله لا يسلم من الآخر أحدهما ان يعالجه الأجل فلا يتيقظ من غفلته الا و قد حضره الموت و فات وقت التدارك و ضاقت عليه الأرض بما رحبت و انسدت أبواب التلافي و جاء الوقت الذي أشار إليه عز و جل بقوله وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مٰا يَشْتَهُونَ. و قوله تعالى وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئٰاتِ حَتّٰى إِذٰا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قٰالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ.
و صار يطلب المهلة و التأخير يوما أو ساعة فيقال له لامهله لك كما قال عز و جل مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لٰا أَخَّرْتَنِي إِلىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ مِنَ الصّٰالِحِينَ.
فيغلق عنه باب التوبة و يغرغر بروحه الى النار و يتجرع غصة الياس و حسرة الندامة على تضييع العمر فيما لا ينفع في القيمة و ربما اختل أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال نعوذ باللّٰه من ذلك و ثانيهما ان تتراكم ظلمة المعاصي على قلبه الى ان يصير رينا و طبعا فلا يقبل المحو فان كل معصية يرتكبها الإنسان يحصل منها ظلمه في قلبه كما يحصل من نفس الإنسان ظلمه في المرآة كما تقدمت الإشارة اليه فإذا تراكمت ظلمة الذنوب صارت رينا كما يصير بخار النفس عند تراكمه على المرآة صداء و إذا تراكم الرين صار طبعا فيطبع على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم بعضه فوق بعض و طال مكثه و غاص في جرمها و أفسدها فصارت لا تقبل الصقل ابدا و قد يعبر عن هذا بالقلب المنكوس و القلب الأسود كما روى (الكافي) عن ابى جعفر عليه السلم ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة ان القلب ليواقع الخطيئة فلا تزال به حتى نقلب عليه فيصير أعلاه أسفله. و عنه عليه السلم ما من عبد الا و في قلبه نكتة بيضاء فإذا أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء فان تاب ذهب ذلك السواد و ان تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطى البياض فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه الى خير ابدا و هو قول اللّٰه عز و جل بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ مٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ. و ربما يؤل حال صاحب هذا القلب إلى قلة المبالاة بأمور الشريعة و اختلال عقيدته و زوال ايمانه فيموت على غير الملة و هو المعبر عنه بسوء الخاتمة نعوذ باللّٰه من ذلك هذا حاصل ما أفاده أبو حامد في ذا الباب و من كلام بعضهم اغتنموا التوبة قبل ان يصير القريب نائيا و المستقبل ماضيا و المحصول ندما و الموجود عدما و يضرب الإدبار على المصرين سرادق الخسار فلا اقاله عثار و لا توفيق انابه و اعتذار و ربما يناقش في وجوبها العقلي عن الصغائر بأنها مكفرة باجتناب الكبائر فلا حاجه الى التوبة عنها و فيه ان الندم على القبيح من مقتضيات العقل الصحيح