التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ٢٢ - مقدمة في تقسيم العلم بوجه آخر
فاشربوا لطلب العلم توصلا الى نيل العز و درك الجاه من قبل الولاة فأكبوا على علم الفتاوى و عرضوا أنفسهم على الولاة و تعرفوا إليهم و طلبوا الولايات و الصلات منهم فمنهم من حر و منهم من أنجح و من أنجح لم يخل عن ذل الطلب و مهانة الابتذال فأصبح الفقهاء بعد ان كانوا مطلوبين طالبين و بعد ان كانوا اعزة بالإعراض عن السلاطين اذلة بالإقبال عليهم الا من وفقه اللّٰه في كل عصر من علماء دينه ثم لما اعتزل واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري و قرأ عقائده في العدل و الصفات و غيرهما و نشأ بعده الشيخ أبو الحسن الأشعري و اشتغل بالرد عليه و إبطال مقالاته و تبع كلا منهما من تبعه و خرجوا من الطريقة الساذجة التي مشى عليها الصحابة و التابعون و أعانهم على ذلك ان نقلت الفلسفة اليونانية إلى العربية فخاض فيها الفريقان و طفقوا في الإبرام و النقض و إبطال بعضهم فذهب بعض فأخذوا ذلك فنا و سموه الكلام اما لان مسئلة الكلام كانت أشهر مباحثه أو أكثرها نزاعا و جدلا و يحكى انه قتل فيها خلق كثير أو أولها كما يحكى عن بعض الصحابة قال حضرت ذات يوم مجلس عمر فسأله رجل يا أمير المؤمنين أخبرني عن كلام اللّٰه مخلوق أم لا فتعجب عمر و أخذ بيد السائل حتى جاء به الى أمير المؤمنين ع و قال يا أبا الحسن اما تسمع مقالة هذا الرجل فلما سمعها تغير وجهه ثم اقبل الى عمر و قال انها فتنة يكون لها شأن تثور في مستقبل الزمان أما إني لو كنت مكانك لقطعت وريديه. أو لأنه يورث قدرة على الكلام و إلزام الخصوم كالمنطق أو لأنه انما يتحقق بالمباحثة و ادارة الكلام من الجانبين و غيره قد يحصل بالتأمل و المطالعة أو لأنه أكثر العلوم خلافا فيشتد افتقاره الى الكلام مع المخالفين و الرد عليهم أو لأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم كما يقال للاقوى من الكلامين هذا هو الكلام أو لأنه أشد العلوم تأثيرا في القلب و تغلغلا فيه فسمى الكلام من الكلم و هو الجرح أو لأنهم كانوا يعنونون مباحثه في المدونات بقولهم الكلام في كذا و الكلام في كذا و ظهر بعد ذلك من الصدور و الأمراء من سمع هذه المقالات و قواعد العقائد و مالت نفسه الى سماع الحجج فيها فعلمت رغبته الى المناظرة و المجادلة في الكلام فانكب الناس على علم الكلام و أكثروا فيها التصانيف و رتبوا فيها طرق المجادلات و استحرجوا فنون المناقضات و المقالات و زعموا ان غرضهم الذب عن دين اللّٰه و النضال عن السنة و قمع البدعة ثم ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب الخوض في الكلام و فتح باب المناظرة فيه لما