التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية - الجزائري، السيد عبد الله - الصفحة ٢١ - مقدمة في تقسيم العلم بوجه آخر
إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ قال يعنى بالعلماء من صدق فعله قوله و من لم يصدق فعله قوله فليس بعالم. و هذا العلم المقصود للعمل هو الأقدم في الوجود الخارجي بالنسبة إلى تحقيقي الأول لأنه الشرط فيه و في الحديث من علم و عمل بما علم ورثه اللّٰه علم ما لم يعلم. و فيه (الكافي) إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون. و بيان ذلك ان الإنسان إذا عمل بمقتضى علمه يؤدى عمله الى صفاء في قلبه فيستعد لعلم أخر فوق ما علمه أولا ثم إذا عمل بمقتضى هذا العلم يحصل له استعداد أخر و بسببه يحصل علم و انكشاف آخر و هكذا يتزايد العلم قوة و ضياء بحسب تتابع الأعمال حتى ينتهي إلى الاهتداء بهدي اللّٰه و هو نور اليقين المقصود لذاته قالوا و مثال ذلك من يمشى بمصباح في ظلمة فكلما أضاء له من الطريق قطعه مشى فيها فيصير ذلك المشي سببا لاضاءة قطعة اخرى و هكذا تترادف الاضواء بتعاقب الحركات و تترادف الحركات بتعاقب الاضواء الى ان يتأدى الماشي إلى الغاية و تنتهي الحركة و بحسب هذه الشرطية و التوسل يعد هذا العلم من علم الآخرة فإن أريد به الدنيا التحق بالدنيا و قد وقع حصر العلم في هذه العلوم الثلاثة الأخروية في الحديث النبوي (الكافي) إنما العلم ثلثه آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قائمه و ما خلاهن فهو فضل. قيل الأول إشارة إلى أصول العقائد و أركانها المستفادة من الآيات المحكمات القرآنية و الثاني إلى علم آفات النفس و تعديل قواها و تهذيب الأخلاق و الثالث الى علم الشرائع و الحلال و الحرام و يسمى كل منها علم الدين و علم الفقه كما مر أما مجادلة علم الكلام في أصول العقائد و التعمق في الفروع في فتاوى غير منصوصة تستنبط بالرأي فليسا في عرف الأولين من العلم و الفقه في شيء بل لم يكن عندهم منهما عين و لا اثر و انما هما من محدثات الأمور و قد ذكر أبو حامد و غيره في مبدإ نشوهما و سبب تدوينهما كلاما ملخصه انه لما انتهت الخلافة إلى أقوام تولوا بغير استحقاق و استيهال و استقلال بعلم الفتاوى و الأحكام اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء و الى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في جميع مجاري أحكامهم و كان العلماء قد تفرغوا لعلم الآخرة و تجردوا له و كانوا يتدافعون الفتاوى و ما يتعلق بأحكام الخلق و أقبلوا على اللّٰه بكنه اجتهادهم فكانوا إذا طلبوهم هربوا و أعرضوا و اضطر الخلفاء الى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء و الحلكومات فراى أهل تلك الأعصار عز العلماء و إقبال الولاة عليهم مع اعراضهم عنهم