شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢١١ - الفصل الخامس فى أنولوطيقا الثانيةAroietsoP acitylanA
العقل يراعى هذه الشرائط، و الا لما حصل العلم. فيرجع حاصل الأمر الى أن العقل استعان بحس السمع فى سماع ذلك الخبر، و استعان بحسن البصر فى أن رأى تلك الكثرة العظيمة فى عدد أولئك المخبرين.
ثم اعتبر مقدمات أخرى عقلية مضانة الى هذا المسموع و هذا المبصر، ثم استنتج العلم من مجموع هذه الأمور. و حينئذ يظهر أن الحاكم بذلك الحكم هو العقل. فان بديهة العقل حكمت بأن صدور مثل هذا الخبر عن مثل هذا المخبر عنه، عن مثل هؤلاء المخبرين مع كثرتهم، يمتنع. الا اذا كانوا صادقين، و كان الحاكم بذلك هو بديهة العقل.
و يرجع حاصل الكلام الى أن هذه المقدمة مقدمة بديهية أولية و اذا كان هذا قسما من أقسام الأوليات البديهيات، امتنع أن يقال: ان هذا قسم آخر مغاير للبديهيات.
فهذا هو الكلام الملخص فى تقرير هذه المبادي. و اللّه اعلم. و رجع حاصل كلامنا الى أن مبدأ المبادي ليس الا المقدمات البديهية. و اللّه أعلم.
و اعلم: ان هاهنا مقدمات قد يغلب على بعض الطباع العامية انها قوية جلية و هى فى الحقيقة باطلة، فيجب التنبيه عليها. و هى سؤالات صعبة على التواتر:
المقدمة الأولى: ان من ادعى أمرا من الأمور. فربما قيل له: اذكر له مثالا. فان عجز عن ذكر المثال ظنوا أنه باطل. و مثاله: أنه تعالى ليس فى الحيز و الجهة. فربما قيل له: انا لا نجد لهذا مثالا من الموجودات، فكان القول به باطلا. و اعلم: أن هذا الكلام باطل.
لأن كون الشيء حقا فى نفسه لا يتوقف على أن يحصل له نظير، و الا لزم أن يتوقف كل واحد من النظيرين على الآخر، و يلزم الدور. و هو محال. فثبت: ان حصول الشىء فى نفسه لا يتوقف على حصول نظيره.
و اذا كان كذلك، لم يلزم من عدم النظير قدح فى حصوله.