شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٧٢ - المسألة الثانية فى بيان حد الانسان و حقيقته
و أما علم كل أحد بغيره فانه علم مخلوط بالظن. و لذلك فانه يقبل الشبهة هو بغيره و يشتبه غيره به. فظهر الفرق. و اذا عرفت هذا الأصل الذي ذكرناه، ظهر أن الذي يشير كل أحد الى نفسه بقوله أنا هو الجوهر المجرد الذي هو نفسه الناطقة. و على هذا التقدير فانه يمتنع أن يقال: حد الانسان هو جوهر جسمانى مغتذ نام مولد. و ذلك لأن جوهر النفس جوهر مجرد، فكيف يقال: انه جوهر جسمانى؟ و أما كونه مغتذيا، ناميا، مولدا حساسا متحركا. فكل ذلك قواه و أفعاله. لا شيء منها داخل فى ماهيته البتة. و أما وصفه بأنه مائت فهو باطل، لما ثبت أن النفس لا تموت [١٤] و هذا اذا كان المراد بالانسان ما يشير كل أحد الى نفسه بقوله أنا. فأما ان كان المراد بالانسان ما يشير اليه كل أحد من غيره بقوله أنت و بقوله هو، فذاك هو الهيكل الجسمانى، و هذا يصدق عليه أنه جوهر جسمانى لكن لا تصدق عليه بقية الصفات. أما كونه مغتذيا ناميا مولدا للمثل، حساسا متحركا بالارادة، فهو باطل. لأنه ثبت فى علم النفس عندنا أن هذه الأفعال كلها أفعال النفس بواسطة الآلات الجسمانية، فيكون اسناد هذه الأفعال الى البدن خطأ محضا.
ثم هب ان هذه الأفعال مستندة الى البدن، الا أن كونها مستندة الى البدن أمر مشكوك فيه لا يعلم ثبوته الا بالدليل الغامض. و قد بينا:
أن ما يكون جزء الماهية فانه يكون معلوم الثبوت للماهية علما بديهيا ضروريا، و أما كونه ناطقا فقد اتفقوا على أنه ليس المراد منه النطق اللسانى بل النطق العقلى. و اتفقوا على أن ذلك ليس من صفات البدن بل من صفات النفس. فالحاصل: أن الحد الذي ذكروه للانسان يوهم كون الشىء الواحد موصوفا بأنه جسم، و بأنه ناطق نطقا عقليا. و ذلك عندهم محال. لأنهم اتفقوا على أن الجسم يمتنع اتصافه بالنطق العقلى فلا شىء من الجسم بناطق نطقا عقليا، أو لا شىء من الناطق نطقا عقليا بجسم.
[١٤] تموت النفس عند القائلين بأنها هواء ييعش أعضاء لها خاصية معينة لقبوله (الروح لابن القيم و الأرواح العالية لفخر الدين الرازى)