شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥٨ - المسألة الثانية فى بيان شرائط حصول التناقض
كان عكسها دائما لكان عكس عليها و هو الأصل دائما، لأن عكس الدائم و عكس العكس هو الأصل، فيلزم أن يكون اللادائم دائما. هذا خلف.
و اعلم: أن على قولنا: السالبة الدائمة تنعكس كنفسها سؤالا، و هو أن نقول: المختار عند «الشيخ» أن الموجبة الضرورية قد تنعكس فى بعض المواد ممكنة خاصة، و فى مواد أخرى تنعكس ضرورية. فيكون الواجب هو القدر المشترك و هو الممكنة العامة.
و انما قلنا: أن الموجبة الضرورية قد تنعكس فى بعض المواد ممكنة خاصة، لأن قولنا: كل كاتب انسان مقدمة ضرورية، ثم عكسها و هو قولنا: بعض الناس أو كل الناس كاتب، قضية ممكنة خاصة لا ضرورية، فانه لا ضرورة فى كون أحد من الناس كاتبا، و لا فى شىء من الأوقات.
فهذا كلام قرروه فى الكتب، و اتفق المتأخرون على صحته.
و عند هذا أقول: لما ثبت أنه لا ضرورة فى كون أحد من الناس كاتبا لا دائما و لا بحسب وقت و لا بحسب شرط، بل كان قولنا: الانسان كاتب من باب الممكن الأخص. و هو الممكن العارى عن جميع جهات الضرورة. فعند هذا نقول: كل ما كان ممكنا لم يلزم من فرض وقوعه البتة محال، فلنفرض سلب الكتابة عن الناس دائما، و بتقدير هذا الفرض، يصدق قولنا: دائما لا شىء من الناس بكاتب. فهذه سالبة دائمة، مع أن عكسها ليس بحق، بل الحق أن كل كاتب انسان بالضرورة. و هذا يقتضى الجزم بأن السالبة الدائمة لا يجب أن تنعكس سالبة دائمة.
فان نازع منازع فى هذا المثال نجيبه بأن نجعل هذا الكلام كليا.
و هو أنه ليس بمستبعد فرض شيئين يكون أحدهما مشروطا بالآخر، و يكون الآخر جائز الانفكاك عن الأول. مثل: الحياة و الألم فان الألم مشروط بالحياة، و الحياة لا يمتنع تقررها منفكة عن الألم. و اذا كان كذلك فانه لا يمتنع صدق قولنا: دائما لا شىء من الحيوان بمتألم، مع أن عكسه و هو قولنا: كل متألم حيوان موجبة ضرورية. فهذا شك لا بد فيه من التأمل.