شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٣ - التقديم للكتاب
عليهم. فلو أننا اجتهدنا و نجحنا و فلحنا ثم جاءنا الموت. و لا بد من أن يجيء. فما فائدة جدنا و اجتهادنا اذا كان التراب يضم الكسول و المجتهد و الأمير و المأمور؟ و عزمت على أن لا أطالع كتب العلم و لا أن أواصل الدراسة، و عدت الى قريتى و أنا مصر على هذا العزم. و هذا الخاطر الذي خطر ببالى هو شبيه بالذى يفضل دراسة علم على علم أو يبيح للناس علما و يحرم عليهم علما غيره. كلاهما يؤديان الى هلاك. اذا كان العلمان محترمان.
و قد وجدت هذا المعنى عند اليائسين من حكماء بنى اسرائيل فقد قال أحدهم: «ما الفائدة للانسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس؟ دور يمضى و دور يجيء، و الأرض قائمة الى الأبد. و الشمس تشرق و الشمس تغرب و تسرع الى موضعها حيث تشرق. الريح يذهب الى الجنوب و تدور الى الشمال. تذهب دائرة دورانا و الى مداراتها ترجع الريح. كل الأنهار تجرى الى البحر و البحر ليس بملآن. الى المكان الذي جرت منه الأنهار.
الى هناك تذهب راجعة. كل الكلام يقصر. لا يستطيع الانسان أن يخبر بالكل. العين لا تشبع من النظر و الأذن لا تمتلئ من السمع. ما كان فهو ما يكون، و الذي صنع فهو الذي يصنع. فليس تحت الشمس جديد.
أن وجد شىء يقال عنه انظر: هذا جديد. فهو منذ زمان كان فى الدهور التي كانت قبلنا. ليس ذكر للأولين. و الآخرون أيضا الذين سيكونون لا يكون لهم ذكر عند الذين يكونون بعدهم ... الخ» (الجامعة ١) و قد عرفنا اللّه تعالى فى محكم كتابه بأنه لم يخلق الدنيا عبثا، و لم يخلق الناس عبثا، بل لحكمة خلق اللّه الذي خلق. و لارادة و مشيئة.
و عمارة الدنيا واجبة علينا، كل على قدر طاقته. و لسوف تكون حياة جديدة من بعد الموت فيها النعيم المقيم لمن أحسن، و فيها العذاب الشديد لمن أساء. و لو وقر فى ذهن المرء أن حياته فى الدنيا هى لخيره فى الآخرة، لعمل و ما يئس و ما قنط. و طلب الرحمة و التوفيق من ربه.