شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٣٤ - المسألة الثامنة
و اعلم: أن قوما عظماء لم يعرفوا الفرق بين الضرورة السابقة و الضرورة اللاحقة، ثم انهم علموا: أن الشىء ان كان موجودا فهو حال وجوده يكون واجب الوجود- و ما يكون واجبا لا يكون ممكنا- و ان كان معدوما فهو حال عدمه يكون واجب العدم. و ما يكون واجب العدم، لا يكون ممكن الوجود. و عند هذا قالوا: الشىء بالنسبة الى الزمان الحاضر، يمتنع أن يكون ممكن الوجود أو ممكن العدم، بل هذا الامكان انما يحصل بالنسبة الى الزمان المستقبل. مثل أن يقال: هذا الشخص الذي هو الآن حي، يمكن أن يبقى فى الزمان الثاني حيا، و يمكن أن لا يبقى حيا. و سموا هذا الامكان: الاستقبالى. و زعموا: أن الامكان لا يعقل و لا يتقرر الا على هذا الوجه.
أما الحكماء فقد زعموا: أن الامكان الحالى معقول. و الشبهة [١٥] المذكورة انما قويت بسبب الجهل بالفرق بين الضرورة المتقدمة على الحصول، و الضرورة المتأخرة عن الحصول. و أما الامكان بهذا الوجه فهو أيضا اعتبار صحيح.
و من العقلاء من قال: أن الامكان لا يعقل الا على الوجه الأول.
و أما على الوجه الثاني فهو باطل، لأن قولنا: ان هذا الشىء يمكن أن يتغير فى الزمان المستقبل، إما أن يكون المراد منه: أنه فى الحال الحاضر ممكن أن يتغير فى الزمان المستقبل، أو المراد منه: انه اذا جاء ذلك الزمان المستقبل و حضر، فانه عند ذلك الحضور يمكنه أن يتغير. فان كان المراد هو الأول فهو محال، لأن وقوع التغير فى المستقبل مشروط بحصول المستقبل. و حصول المستقبل فى الحال محال، فيكون التغير الواقع فى المستقبل ممتنع الحصول فى الحال. و اذا كان ذلك ممتنعا لم يكن ممكنا، لأن الشىء الواحد بالاعتبار الواحد لا يكون ممكنا و ممتنعا معا. و ان كان المراد هو الثاني فهو باطل، لأن المستقبل اذا حضر صار حالا، فلو امتنع حصول الامكان بالنسبة الى الحال، لامتنع حصوله فى المستقبل بعد صيرورته حاضرا حال. و هذا ينافى هذا الموضع.
[١٥] الشبهة: ص.