شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢١٠ - الفصل الخامس فى أنولوطيقا الثانيةAroietsoP acitylanA
السؤال الرابع: انه اما أن يقال: حصل فى الوجود عدد مخصوص يمتنع اطباقهم على الكذب، أو يقال: ليس الأمر كذلك. و الأول: باطل لأنه لا عدد بعينه الا و حال ذلك العدد نقصان واحد، أو اثنين (و نقصان واحد أو اثنين) مساوى لحاله فى جواز الاقدام على الكذب. و الثاني:
يوجب القدح فى التواتر. و ذلك لأنه اذا لم يكن شيء من الأعداد المعينة، له صلاحية ايجاب هذا العلم، فحينئذ لا ندرى أن هذا الاعتقاد الذي حصل فى القلب أ هو ظن قوى أو علم يقينى؟ و حينئذ لا يبقى عليه تعويل.
السؤال الخامس: هب أن أهل التواتر اذا قالوا: شاهدنا الشيء الفلانى أو سمعنا الكلام الفلانى، فانه يفيد العلم بحصوله.
اما اذا قالوا: رأينا أقواما أخبروا أنهم رأوا اقواما آخرين اخبروا انهم شاهدوا الشيء الفلانى كاخبارنا عن لأشخاص الماضية فى القرون الخالية. فكيف يفيد مثل هذا الخبر علما يقينيا؟ و ذلك لأن هذا الخبر لا يفيد اليقين، الا (اذا) علمنا أن طبقات المخبرين فى كل عصر و زمان كان بالغا فى الكثرة الى حد يمتنع اتفاقهم على الكذب. لكن علمنا بأن المخبرين كانوا كذلك، علم بصفة من صفاتهم، و بحال من أحوالهم. و العلم بصفة الشيء مشروط بالعلم بذاته. فلما جهلنا ذوات أولئك الماضين، فكيف يمكننا أن نعلم أنهم بالغين فى الكثرة الى حيث يمتنع اتفاقهم على الكذب.
و اذا لم نعلم هذه الصفة لم يكن خبرهم مفيدا للعلم. و معلوم أن اخبار هؤلاء الحاضرين مفرعة على أخبار أولئك الماضين. فاذا وقع الشك فى الأصل، فكيف يبقى اليقين فى الفرع؟
السؤال السادس: هب أن التواتر يفيد العلم الا أنا توافقنا على أنه ما لم تحصل هذه الشرائط المذكورة، لم يكن التواتر مفيدا للعلم.
و اعتبار هذه الشرائط لا سبيل اليه إلا بمحض العقل، فلو لا [١٠] أن
[١٠] المؤلف يشير الى القضية المشهورة فى علم الكلام و هى هل العقل أصل النقل، أم النقل أصل العقل. و قد تحدثنا فيها فى مقدمة الكتاب.