شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٤ - التقديم للكتاب
و حجة القائلين بأن المنطق لا فائدة فيه فى البرهنة على وجود اللّه تعالى. و لذلك يجب أن يلغى من دور التعليم هى قولهم: ان أدلة القرآن تكفى فى البرهنة على وجود اللّه. و كذلك الأحاديث المروية عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم.
أما أن الأحاديث تدل ففيها المتواتر و الآحاد. و قد اتفقت كلمة المسلمين على أن العقائد تؤخذ من آيات القرآن وحده. و أما أن القرآن يدل. فهو يدل.
للذى عنده عقل سليم. و بيان ذلك: حينما قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أنا رسول اللّه.
فلو فرض أن إنسانا معاصرا له قال بقوله. فمن يدرينا الصادق منهما من الكاذب؟ لا بد من العقل السليم الخالى عن العناد و الهوى ليكون مثل القاضى بين المتحاجين و المتخاصمين. فأبو بكر الصديق رضى اللّه عنه حكم بصدق محمد صلّى اللّه عليه و سلّم لأنه شاهده طول حياته صادقا. و عقله دله على أن من كان صادقا الى سن الأربعين، لا يمكن أن يكذب. و لذلك آمن. و خديجة رضى اللّه عنها لما رأته يصل الرحم و يحمل الكل و يقرى الضيف، آمنت بكلامه، لما أخبرها به. اذ دلها عقلها السليم أن من كان على مروءة و خلق، لا يمكن أن يضل لئلا تسقط مروءته و هيبته. و لما نطق بالقرآن المعجز فى لفظه و فى معناه. و هو أمى لا يقرأ و لا يكتب، حكم العقل بأن الأمى لا يقدر على هذا. و بالتالى يكون القرآن كلام اللّه و وحى اللّه. و لو أن إنسانا لا عقل عنده، و ظهر له ملاك يكلمه وجها لوجها. فانه لا تكون فائدة تذكر لا من المتكلم و لا من المستمع، لأن العقل مفقود.
و لهذا المعنى اختلف علماء المسلمين فى الشرع و فى العقل. أيهما يقدم على الآخر؟ أى أيهما يكون حاكما على الآخر. فقال قوم: هو العقل. لأن النبوات لا تثبت الا عند ذى عقل سليم. و العقل هو الذي يميز الصادق من الكاذب. و قال قوم: هو الشرع. لأن العقل قد يعرض له الزلل و الخطا. و ليس من أحد من المسلمين القائلين بتقديم العقل أو الشرع، يهون من قيمة الشرع أو يقلل من فائدته أو يدعو الى نبذه ليس و لا واحد.
فالقائلون بتقديم العقل ما قالوا به الا من أجل صحة التكليف على المكلفين.