شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٣٠ - المسألة الرابعة فى منافع الجدل
على معرفة البراهين اليقينية، كنا قد كلفنا المتعلم فى أول الأمر ما لا طاقة له به، فلم يبق الا أن نقرر (ترك) تلك المبادي بقياسات جدلية مقنعة، الى أن يجد قدرة على تحصيل البراهين اليقينية.
و أما المنافع المطلوبة بالعرض من هذا النوع من القياس فأمور:
الأول: ان هذه الصناعة تفيد القدرة على افحام الخصم و غلبة المنازع.
الثاني: ان الانسان قد يعجز عن تركيب القياس عن المقدمات اليقينية، و حينئذ يحتاج الى أن يركبه عن المقدمات المشهورة، لينتج أحد النقيضين، ثم يركب قياسا آخر أيضا من المشهورات لانتاج النقيض التالى، ثم لا يزال يرجح أحد الجانبين على الآخر ترجيحا بعد ترجيح، و ربما يخلص من تلك الترجيحات الى وجدان البرهان المفيد لليقين.
الثالث: ان الانسان ينتفع بتأمل هذه الصناعة فى صناعة البرهان من وجهين:
أحدهما: ان هذه القياسات الجدلية شديدة المشابهة بالقياسات البرهانية، و تمتاز عنها بفروق دقيقة، و اذا عرف الانسان فى هذه الصناعة تلك الفروق الدقيقة، صار ذلك من أعظم المعاونات على سهولة معرفة شرائط البرهان. لأن المتشابهين اذا عرفت (الانسان فيهما) كيفية امتياز أحد الجانبين عن الآخر، أعان ذلك على معرفة امتياز الجانب الآخر عن الأول.
و الثاني: أن كسب المقدمات المشهورة و اعدادها أعم من كسب المقدمات البرهانية و اعدادها، اذ المشهور أعم من اليقين، فربما اتفق له عند كسب المشهورات و اعدادها أن يكتسب المقدمات البرهانية أيضا. و ذلك حين ما يأخذ فى تصفح المشهورات ليعرف ما منها برهانى، و ما منها غير برهانى.