شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٢٩ - المسألة الرابعة فى منافع الجدل
مركبة من مقدمات مشهورة مقبولة مسلمة عند الجمهور، ليصير سماع أمثال هذه الدلائل سببا لرسوخ تلك العقائد فى القلوب، فيحصل بها نظام المصالح فى الدنيا و الآخرة، و يفوز كل أحد بقدر ما يليق به من السعادة.
الثاني: ان الجمهور اذا اعتقدوا هذه العقائد على سبيل التقليد، و انتظمت مصالحهم فى الدنيا و الآخرة، بسبب هذه العقائد، فربما جاء صاحب البدعة، و ألقى فى قلوبهم شبها مشوشة، و كلمات واهية.
فاذا قدرنا على ازالة تلك الشبهات عن قلوب العوام بالحق، بقياسات مركبة من مقدمات محمودة أو مسلمة، كان ذلك نفعا عظيما.
و الحاصل: أنا جعلنا هذه القياسات الجدلية فى الوجه الأول مؤثرة فى تحصيل العقائد النافعة فى عقول الأكثرين، و جعلناها فى الوجه الثاني دافعة للشبهات التي تزيل العقائد الحقة التقليدية عن قلوب الأكثرين.
الثالث: ان منكر الحق ربما بلغ فى الجهالة و الضلالة الى حيث لا يبالى بانكار اليقينيات، الا أنه لا يمكنه انكار المشهورات. لأن منكرها كالمنازع مع أكثر أهل الدنيا. و ذلك مما يعرضه لأنواع الآفات و البليات، فلا جرم لا يمكنه انكار المشهورات.
و أما أنه لا يمكنه انكار المسلمات، فلان الاقدام على الانكار بعد الأقوال يعد عبثا و نقصانا. و الطبيعة السليمة لا تسمح بالتزامهما.
فثبت: أن انقياد الطبائع العامية للقياسات المركبة من المشهورات و المسلمات، فوق انقيادها للقياسات المركبة من الأوليات.
الرابع: أن مبادئ العلوم الجزئية لا بد و أن توضع فى أوائل تلك العلوم، حتى يتمكن طالب ذلك العلم من أن يتوصل بتركيب تلك المبادي الى تعرف المطالب. ثم إن تلك المبادي ان خلت عن الحجة بالكلية، لم تمل الطباع السليمة (الى) قبولها فيقل الانتفاع بها. و ان وقفنا قبولها