شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨٦ - الفصل الرابع فى أنولوطيقا الأولىAnalytica Priora
قلنا: وجود النهار يستلزم كذا كذا. فالموضوع فى هذه القضية: بعض ما كان محمولا فى القضية الأولى. فلم يكن الأوسط متكررا، بخلاف ما اذا ركبنا هذا القياس من المقدمتين الشرطيتين. فانا اذا قلنا:
كلما كانت الشمس طالعة، فالنهار موجود. فالتالى فى هذه القضية هو قولنا: النهار موجود. ثم اذا قلنا: كلما كان النهار موجودا، كان كذا و كذا. فقد جعلنا تمام ما كان تاليا فى الصغرى، مقدما فى اكبرى. فكان الأوسط هاهنا متكررا بتمامه مكررا. فظهر الفرق العقلى بين هذين النوعين من التأليف و التركيب.
فنقول: لنا فى الجواب عن هذا السؤال مقامان:
المقام الأول: انا اذا قلنا فى الصغرى: كلما كانت الشمس طالعة، فالنهار موجود. فالتالى هنا هو قولك: فالنهار موجود. بدليل:
أنك لو حذفت هذه الفاء، و قلت: كلما كانت الشمس طالعة، النهار موجود، لم يكن الكلام مؤتلفا و لا مفيدا فائدة منتظمة. فثبت: أن هذه الفاء جزء من التالى.
هذا بحسب اللفظ. و أما بحسب المعقول المحض، فهو أن هذه القضايا الشرطية إنما يتألف القياس منها اذا كانت لزومية. و حينئذ يصير المعنى: كلما كانت الشمس طالعة، فانه يلزم و يتبعه كون النهار موجودا فهذا اللزوم جزء من التالى. فاذا قلت بعده: و كلما كان النهار موجودا، فكذا و كذا. فتمام التالى فى الصغرى ما صار مقدما فى الكبرى.
فثبت: أن هاهنا الأوسط غير متكرر البتة.
المقام الثاني: هب أن قولنا: طلوع الشمس يستلزم وجود النهار، و وجود النهار يستلزم صيرورة الأعشى مبصرا، الا أنا بينا: أن عدم تكرر الأوسط لا يمنع من الانتاج، بل بديهة العقل حاكمة بأن التركيب الذي ذكرناه ينتج: أن طلوع الشمس، يستلزم كون الأعشى مبصرا.
و اذا كان المقصود من هذا القياس، ليس الا هذا المعنى. و هذا المعنى حاصل فى التركيب الحملى، كان العدول عنه الى العبارة الأخرى، بحثا لفظيا عاريا عن الفائدة. فثبت بما ذكرنا: أن هذه القياسات