حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٨٣ - الباب الثّاني فى إبطال الشبه الّتي بنوها لإثبات قدم العالم على قدم مادّته فصل واحد
لم يكن إمكان للحادث قبل وجوده موجودا فى الأعيان و ان لم يتضمّن معنى النّفى لم يصحّ الحكم بوجوده للحادث قبل وجوده إلّا أن يجعل موجودا فى الذّهن فيكون إمكانه أيضا موجودا فى الذّهن دون الأعيان فلا [١٥٥] يكون له محلّ موجود فى الأعيان.
و أيضا قد أثبتنا أنّ الوجود غير موجود فى الأعيان فلا يكون إمكان الوجود موجودا فى الأعيان. و التّحقيق فيه هو أنّ إمكان الوجود و وجوبه و امتناعه معانى ذهنيّة لا وجود لها فى الأعيان، فإنّ الذّهن إذا تصوّر الذّوات و قاس بعضها إلى بعض فوجدها مختلفة بالنّسبة إلى الوجود حكم على بعضها بالوجوب و على بعضها بالامتناع و على بعضها بالإمكان و من دون ذلك لا يكون للذّوات فى نفس الأمر لا وجوب و لا امتناع و لا إمكان فإذا لم يكن للامكان وجود فى الأعيان لم يحتج إلى محلّ موجود فى الأعيان، و إذا وجد فى الذّهن كان محلّة موجودا فى الذّهن.
فإن قيل: الحادث ان قدّر انّه لا يتصوّره متصوّر فيكون فى نفسه ممكنا أم لا.
قلنا: هذا مزلّة أقدام النّظار و التّحفظ عنها عسر جدّا و الكشف عنه هو أن يقال: الشّيء إذا لم يكن موجودا فى الأعيان و لا فى الأذهان كان عدما محضا، و العدم المحض لا يكون له حكم و وصف البتة. و مهما تذكرته و تذكرت انّه هل يكون ممكنا أم لا كنت قد أدخلتها فى ذهنك فحينئذ يحكم الذّهن عليه بأنّه ممكن و من دون ذلك فلا يكون العدم فى [١٥٦] نفس الأمر شيئا. فالحادث إذا لم يكن موجودا فى الأعيان و فى الأذهان لم يكن شيئا و لا ممكنا و لا غير ممكن. و هكذا جميع الموجودات الذّهنية. فعلم انّ الإمكان غير موجودة فى الأعيان فلا يحتاج إلى محلّ.
ثمّ أقول، قوله: «الحادث قبل وجوده ممكن الوجود» حكم بإمكان الوجود للحادث لا للمادة فيكون الحادث محلّه إن كان موجودا لا المادّة.
فإن قيل، قولنا: «الحادث ممكن الوجود» معناه انّه ممكن الوجود فى مادّته فيكون إضافة الإمكان بالحقيقة إلى المادّة فيكون محلّه المادة.
قلنا: فى هذا جعل المطلوب مقدّمة لانتاج نفسه، فإنّ المطلوب انّ الامكان مضاف إلى المادّة فإذا كان قولنا: «الحادث ممكن الوجود» معناه انّه ممكن الوجود فى المادّة كان هذا عين