حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٧٥ - الفصل الثّالث فى بيان أن لا وجود فى الأعيان للوجود المضاف إلى الذّوات الموجودة فى الأعيان
إيجاده بإفاضة الموجد عليها الوجود على قياس قولهم فى ساير الموجودات و الكلام فى وجود الوجود كالكلام فى الوجود و يؤدّى ذلك إلى التّسلسل. فإذن الحقّ ان الموجد يفيد الذّات و يوجدها لا بان يفيض عليها الوجود بل بان يوجد ذاتا ابتداء ثمّ الذّهن يحكم عليها بالوجود الّذي به يشارك الموجودات الاخر و يباين المعدومات المتصوّرة.
و إنّما قلنا ان قولهم: «الحقائق لا تكون مستفادة من الموجد إنّما الموجد يفيدها الوجود» من أحكام الوهم و ذلك أنّهم وجدوا العقل يتصوّر الحقائق مجرّدة عن الوجود و العدم ثمّ يحكم عليها بالعدم مرّة و بالوجود اخرى فحكمت أوهامهم بان الحقائق و الماهيّات فى العدم ذوات فى أنفسها لا بجعل جاعل مجرّدة عن الوجود فإذا استفادت الوجود [١٤٠] من الموجد صارت موجودة. و الحقّ انّ الماهيّات لا تكون فى العدم المحض أشياء لكن الذّهن إذا تصوّرتها صارت موجودة فيه فصارت أشياء فيه.
ثمّ إن فرضنا الكلام فى وجود زيد المعيّن لم يمكنهم أن يقولوا انّه ذات يفيدها الموجد فظهر الوجود أنّ الوجود أمر ذهنىّ اعتبارى لا وجود له إلّا فى الذّهن.
و ليس لقائل أن يقول: الوجود لا يحتاج إلى وجود آخر لأنّ ذاته وجود فيكون وجوده من الموجد لا بوجود آخر و وجود ساير الموجودات يكون به، كما انّ الجسم يكون أبيض بالبياض و البياض يكون أبيض بذاته لأنّ ذاته بياض لا ببياض و ذاك لأنّ الأبيض يقال لما يقوم به البياض و يوجد فيه البياض فإنّ الأبيض ما له بياض أو ما هو ذو بياض و البياض لا يقوم به البياض و لا له بياض و لا هو ذو بياض فلا يكون أبيض بالحقيقة، فان قيل له لون كان ذلك على التوسّع و المجاز أو على اشتراك الاسم، و أمّا على الحقيقة فيجب ان يقال انّه لون هو بياض لا لون أبيض أى ذو بياض. فالموجود لو كان اسما لما يقوم به الوجود فإذا كان الوجود موجودا وجب أن يقوم به الوجود كالأبيض يقال لما قام به البياض.
فإن قيل: الجسم إذا كان أبيض كان أبيض [١٤١] ببياض موجود فى الأعيان فإذا كان موجودا وجب أن يكون موجودا بوجود موجود فى الأعيان.
قلنا: الصّفات ضربان وجوديّة كالبياض و الحرارة و ذهنيّة اعتبارية كاللّونية و الوجود، و الوصف بالصّفات الوجوديّة يقتضي وجود تلك الصّفات فى الأعيان و الوصف