حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٦٦ - الفصل الثّاني فى بيان حقيقة الزّمان و أن لا وجود له الّا فى الأذهان
أنّ الحقّ انّ الشّيء امّا ان يكون موجودا أو لا يكون و لا معنى للقوّة و الضّعف فى نفس الوجود و القوّة و الضّعف فيه [١٢٣] و يرجعان إلى ثباته و عدم ثباته، فالوجود العينىّ يجوز ان يسمّى ضعيفا على معنى انّه غير باق و الحركة لما كان لها وجود عينى غير ثابت كان أقوى وجودا من الزّمان الّذي لا وجود له فى نفس الأمر.
فانظر إلى هذا الفيلسوف كيف اشتبه عليه امر الوجود الذّهنى فلم يميّز العينىّ منه من الذّهنى هاهنا و ان شرحهما فى مواضع من كتبه فارجع الى ما كنت فيه فانّ الكلام إلى هذه المعانى الّتي التّنبيه عليها واجب.
فأقول: بما ذكرنا من التّحقيق نبيّن فساد قوله: «و ليس هذا الوجود بسبب التّوهم» فانّه و إن لم يتوهّم كان هذا الوجه من الوجود و من الصّدق حاصلا و ذلك ان امكان الحركة بين طرفى المسافة إذا لم يتوهّم لم يكن له وجود ذهنىّ و قد ثبت أنّه ليس له وجود عينىّ فلا يكون له وجود أصلا فضلا عن هذا الوجه. نعم الوجود العينىّ إن توهّم كان له وجود عينىّ و وجود ذهنىّ و إن لم يتوهّم لم يكن له وجود ذهنىّ. أمّا الشّيء الّذي لا وجود له إلّا فى الذّهن إذا لم يتوهّم لم يكن له لا وجود عينى و لا وجود ذهنىّ.
و قوله: «و من الصّدق» يدلّ على عدم تامّله فيما يقوله فان الصّدق من صفات القول و لا يتصوّر القول الّذي هو انّ بين طرفى المسافة امكان كذا إلّا بأن يتوهّم.
قال: «لما كانت المسافة [١٢٤] و حدودها موجودة إلى قوله: «نحوا من الوجود».
أقول: الأمر الّذي يكون على المسافة و مطابقا لها و قطعا لها هو الحركة و لها نحو من الوجود و هو العينىّ، و الّذي هو مقدار قطع لها هو الزّمان، و له نحو من الوجود هو الذّهنى فجمع نحوى الوجود فى نحو واحد و هو من قلّة تمييزه بينهما. ثمّ من تحيّره فى المعنى الّذي سبق ذكره.
قال: فوجود الزّمان لا على هذا السّبيل بل على سبيل التّحصيل لا يكون الا فى النّفس فان الوجود الحاصل المحصّل للزّمان إذا كان فى النّفس لم يبق له الا وجود غير حاصل فالوجود غير الحاصل كيف يكون فى الأعيان.
قال: «كلّ آنين بينهما زمان».