حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٦٥ - الفصل الثّاني فى بيان حقيقة الزّمان و أن لا وجود له الّا فى الأذهان
المسافة موجودا فى نفس الأمر و هذا المعنى و هو صدق القول بثبوت هذه الأمور مع عدمها فى نفس الأمر حيّر اكثر النّظار [١٢١] فى المعقولات حتّى أثبت بعضهم واسطة بين الموجود و المعدوم و خالفوا قضيّة ضروريّة الصّدق و هى أنّ الشيء لا يخرج عن طرفى النقيض فلا يخلو الشّيء عن أن يكون أو لا يكون، فقالوا للحيوانيّة و أمثالها من الأحكام الذّهنية أنّها ليست موجودة و لا معدومة و ليس معنى المعدوم سوى ما ليس بموجود فكانوا قد قالوا أنّها ليست موجودة و لا ما ليس بموجود.
قال ابو البركات أيضا فى فصل الزّمان من كتاب المعتبر: انّ الوجود ليس موجودا و لا معدوما و قال جماعة من المتكلّمين و هم المعتزلة المعدوم شيء و الشّيء و الموجود لفظان مترادفان على معنى واحد، فكانوا قد قالوا «المعدوم موجود» و الكلّ محال. و سبب وقوعهم فى ارتكاب هذا المحال أنّهم يحقّقوا الموجود الذّهنىّ و انّ الذّهن يحكم به حكما جزما بنوع من الاعتبار المذكورة و إن يكن له وجود خارج الذّهن، و ظنّوا أنّ كلّ ما يحكم به الذّهن يجب أن يكون فى نفس الأمر كذلك. ثمّ لما لم يجدوه كذلك فى نفس الأمر تحيّروا و قالوا أنّه ليس بموجود إذ لم يجدوه موجودا فى نفس الأمر و ليس بمعدوم لانّ الذّهن يحكم بوجوده كما انّ الذّهن لما حكم بكون البياض لونا [١٢٢] قالوا: «إنّ اللّونيّة ليست معدومة». و لمّا علموا أنّ اللّونية لو كانت موجودة فى البياض لكان البياض مركبا و هو محال. قالوا: «انّ اللّونية ليست موجودة» و كذلك الوجود لما حكم الذّهن بوجوده ثمّ دلّت دلايل اخرى على عدمه فى نفس الأمر وقع له أن يحكم بانّه ليس موجودا و لا معدوما، و لانّ الشّيء إذا حكم الذّهن عليه بحكم صار موجودا فى الذّهن، فالمعدوم فى نفس الأمر إذا حكم الذّهن عليه بانّه ممكن الوجود أو مقدور عليه أو معلوم أو معدوم صار موجودا فى الذّهن و شيئا فيه لا فى نفس الأمر. فلم تحقّق المعتزلة هذا المعنى فحكموا على المعدوم فى نفس الأمر بأنّه شيء. و ما قاله ابن سينا ان من الموجودات ما هو متحقق الوجود و منها ما هو أضعف وجودا و الزّمان أضعف وجودا من الحركة يناسب ما ذكرنا، فإنّ الموجودات العينيّة متحقّقة الوجود و الذهنيّة ضعيفة الوجود و الحركة لها وجود عينى غير ثابت بل كما يوجد جزء منها يعدم و الزّمان لا وجود له فى الأعيان أصلا فكان أضعف وجودا من الحركة على