حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٥٨ - الفصل الثّاني فى بيان حقيقة الزّمان و أن لا وجود له الّا فى الأذهان
منها فصلا مشتركا بين اجزاء الخطّ و طرفا للخطّ إذا انتهى طوله و لم يبق منه شيء لا يكون لها وجود فى نفس الأمر و إن كان فى الوجود جسم له طرف حادّ كرأس مخروط كانت تلك جزءا من الجسم على تقدير كون النقطة و الخطّ عرضين موجودين فى الأعيان فإنّهما يكونان موجودين فى الجسم و إن اعتبر الخطّ نهاية للسّطح لا يصير بذلك موجودا فى السّطح بل يكون موجودا فى الجسم لا بواسطة السّطح و كذلك النّقطة تكون موجودة فى الجسم لا بواسطة الخطّ و ان اعتبرت نهاية له.
و من تلك الأمثلة ما يقال سطح أبيض و خشن و املس و مستضيء و برّاق و ليس منها قائما الا بالجسم لما بيّنا انّ السّطح ليس شيئا وراء الجسم و اللّون يقوم بها يدرك من الجسم.
و كذلك الاستضاءة و البريق و الخشونة هى أن يكون للجسم اجزاء صغار مختلفة الطّول [١٠٨] مدركة مختلطة الطّويل منها بالقصير اذ قد ركبه اجزاء جسم بهذه الصّفة و الملاسة هى أن لا يدرك من الجسم أجزاء بهذه الصّفة. و منها سرعة الحركة و بطؤها و هما معنيان إضافيّان لا وجود لهما إلّا فى الأذهان فإنّ الحركة لا تكون فى نفسها بالنّظر إلى ذاتها سريعة و لا بطيئة لكنّ الذّهن إذا قاس حركة بحركة مخالفة لها فى قطع المسافة حكم بكون الّتي تقطع مسافة أطول من الّتي تقطعها الاخرى فى زمانين متساويين أو تقطع مسافة مساوية للّتى تقطعها الاخرى فى زمان أقصر من زمان قطع الاخرى سريعة و يكون الاخرى بطيئة. و من دون هذا الاعتبار و المناسبة لا يكون فى الحركة سرعة و بطء و لو كانت السّرعة و البطء معنيين وجوديين لم تنقلب السّريعة بطيئة بالقياس إلى ما هو أسرع منها و لا البطيئة سريعة بالقياس إلى ما هو أبطأ منها كما لا ينقلب الأبيض أسود و لا أسود أبيض بقياس ما لكونهما معنيين وجوديين.
و على هذا قياس ما يقال كلام فصيح و ركيك و ظاهر و جلىّ و دقيق فانّه لا يكون الكلام فى نفسه شيئا من ذلك من كون اعتباره مع كلام آخر و قياسه به فانّ الفصاحة و أخواتها من الصّفات الإضافيّة [١٠٩] كالابوّة و البنوّة ليس شيء منها موجودا فى الأعيان و لذلك ينقلب الفصيح ركيكا و الرّكيك فصيحا بالقياس إلى شيء آخر. نعم قد يقال لبعض الكلام فصيح من دون أن يكون فى ذهن القائل قياس له إلى كلام آخر، كما يقال لكلام اللّه