حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٥١ - الفصل الأوّل فى حكاية ما قالوا فى الزّمان و ذكر شبههم المبنيّة على قدم الزّمان
و ذلك الشّيء اشتركت فيه اثنتان و ليس الحركة إذ حركة كلّ واحدة غير حركة الآخرتين فذلك الشيء هو الزّمان و هو موجود فى الأعيان فإنّه طابق الحركة الموجودة من متحرّك موجود فى مسافة موجودة مطابقة مقدّرة الجزء و الكلّ يجزئ الحركة و المسافة و كليهما، فإنّه لا يمكن أن تدور الكرة السّريعة بالسّرعة المفروضة فى المدّة المفروضة لا أكثر من دورتين و لا أقل منهما و كذلك حال الاخيرتين، فكيف يقال أنّها غير موجودة و هى لا ينفكّ عن الموجود و تقدّر به و تساوقه فى الماضى و المستقبل.
قال: و لو قيل أنّه مقدار الوجود أولى من أن يقال أنّه مقدار الحركة فانّه يقدر السّكون أيضا و الحركة و السّكون يشتركان فى الوجود و الزّمان لا يطول و لا يقصر بل هو مستمر فى الوجود و وجود شيء آخر يستمر معه استمرارا أكثر و أقل. فالزّمان بتقدير الوجود اولى منه بتقدير الحركة. فمن قال [٩٤] بحدوث الزّمان فقد قال بحدوث الوجود، فإنّ الزّمان ليس له هويّة قائمة بذاته، فالزّمان لا يرتفع إلّا بارتفاع الوجود، فالقائل بحدوث الزّمان قائل بحدوث الخالق تعالى عن ذلك، و كيف يقال لا وجود للزّمان و وجوده أعرف و أقدم عند العقل من وجود كلّ ما يوجد معه و فيه و يتصوّر الإنسان قبل كلّ مبدأ زمانى و بعده زمانا و لا يعقل له أوّلا و آخرا و لا تتصوّر الأذهان وجودا ليس له مدّة لا وجود الخالق و لا وجود المخلوق و لا اعتبار بقول من يقول بتجريد وجود الخالق عن الزّمان و هو القائل بأنّ الزّمان مقدار الحركة و الخالق برئ عن الحركة فادّعى ابو البركات العلم بوجود الزّمان و قدمه بديهيا.
و قد ألبسوا ما حكيناه فى إثبات الزّمان لباسا آخر و جعلوه حجة فى إثبات قدم الزّمان و بواسطته فى قدم العالم فقالوا: لمثبتى حدوث العالم: هل كان الخالق تعالى قادرا على أن يخلق قبل أن خلق العالم لو كان حادثا فلكا يدور من أوّل خلقه إلى وقت خلق هذا العالم ألف دورة و إن يخلق فلكا آخر قبل خلق الفلك الأوّل يدور بحركة مثل حركة الفلك الاوّل فى السّرعة و البطء من أوّل خلقه إلى [٩٥] وقت خلق هذا العالم ألفى دورة فيكون ألف دورة منها إلى وقت خلق الفلك الأوّل و ألف إلى وقت خلق هذا العالم.
فإن قلتم: لا يقدر على ذلك، كنتم قد عجّزتم الخالق تعالى و ذلك محال، و إن قلتم: يقدر