بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣ - عن الذكر معرضين
٢- مِنَ الرَّحْمنِ
حينما يُذكِّرنا الله تعالى بالحقائق، فإنه في الوقت ذاته يُذكِّرنا بجدوى الأخلاق الطيبة، وبأهمية القيام بالأعمال الصالحة. وهذا المسلك في التذكير إنَّما ينمّ عن فيض الرحمة، عن الربِّ الرحيم الذي كتب على نفسه أن يعمَّ العباد بفضله ولطفه.
إذن؛ فإن منطلق الذكر المستهدف للإنسان- مهما كانت شاكلته- يتم من قاعدة الرحمة الإلهية الواسعة، ولولا هذه الرحمة لكان شأن ابن آدم شيئاً آخر، بل لعله ما خُلِقَ، وما استُخْلِف، وما أنعم الله عليه بشيء .. مما يعني أن أساس مخاطبة الله تعالى عباده بالذكر- بأنماطه المتعددة- يتم بالرحمة الإلهية، ثم قال عن هذا الذكر
٣- مُحْدَثٍ
مُحدَث: اسم مفعول، من: أحدث، يُحدث .. فهو- بفتح داله- عائد للذكر. فالذكر مفعول لإرادة الله ورحمته، وهو جديد ومُتجدِّد تبعاً لهذه الإرادة. ويمكن القول بأن وصف الذكر الإلهي الرحماني المتوالي على الإنسان بأنّه مُحْدَث، إنما هو لتثبيت حقيقة قد تغيب عن بعض الأذهان، وهي أن جانباً من شخصية الإنسان يميل إلى التجديد، فيكون التعوُّد على نمط واحد من الذكر مدعاةً للملل، وحتى للتحجُّر- في بعض الحالات-. ولا ريب في إن بلوغ الإنسان هذه الحالة يعود إلى طبيعته هو وليس إلى أصل الذكر، فهو إذن بحاجة إلى تجديد الذكر وتحديثه، لسلب ما يمكن أن يُصبح تبريراً للتملُّص من الالتزام بفحوى الذكر الأصيل، لاسيما وأن شحَّ، أو انعدام التجدُّد، والتحديث قد يخلق في الذات الإنسانية نوعاً من المناعة والحصانة ضد الأنماط المتكررة.