بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢١ - قوم عادون
وَ مِنْ كُلِ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [١].
والإنسان ليس مستثنى من هذه السُّنَّة الطبيعية. والله سبحانه وتعالى لم يقل: أزواجكم، وإنما قال مِنْ أَزْواجِكُمْ. و مِنْ هنا للتبعيض، بمعنى التخصيص؛ أي لكل رجل امرأة معينة، كما لكل امرأة رجل معين، فلا ينبغي تعدِّي سُنَّة الله وحدوده.
ويُمكن أن نستوحي من هذه الآية أيضاً وجود صلة وثيقة بين الإنسان وزوجه التي جعلها الله تبارك وتعالى سكناً ولباساً، وجعل الذرية من خلالهما. فبدلًا من الانشداد إلى الذكران والشذوذ الجنسي الذي يُفهم من لفظة تَذَرُونَ كان لا بد لهؤلاء أن يعودوا إلى ما أودع الله تعالى في قلوبهم، وعقولهم، وفطرتهم من قناعة بالاكتفاء بالسُّنَّة الإلهية القاضية بالاحتماء بظل الأسرة، والعيش بالصورة الطبيعية للخلقة، وعدم التسافل الخُلقي، والثقافي، والاجتماعي، والصحي. لأن ذلك يبدأ أساساً من نسيان الله تعالى، والغفلة عن سُننه وأحكامه، وينتهي باستحواذ الشيطان على المتسافل الغافل. والحال إنّ وجدان الرجل يميل إلى المرأة، والعكس صحيح، ولكن الرجل إذ يتعمَّد انتهاج طريق الشذوذ، فذلك ما يُسبِّب له جملة من الاضطرابات النفسية والعقلية، ناهيك عن التعرُّض لسخط الله الشديد.
إن التعرُّض إلى الفطرة النزيهة والعقل السليم بمخالفتهما؛ نهج طالما ضرب على وتره الشيطان والنفس الأمَّارة بالسوء. والشيطان يتلبَّس بصور شتى؛ كصورة الرغبة الصرفة في مخالفة الأنبياء والرسل، وكصورة الرغبة المجرَّدة بإشباع الغريزة بنحوها الشاذ، وكصورة الثقافة المتسترة بستار الدفاع عن الحرية، والزعم بأن الإنسان لا يجد
[١] سورة الذاريات، آية: ٤٩.