بينات من فقه القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٩ - العلاقة بين التوكل والتسبيح
والسبب في ذلك أن من يعيش في زنزانة ذاته تراه يقدس نفسه ويُلقي باللوم أبدًا على غيره، حتى يتطاول على ربَّه ويتَّهمه سبحانه. فإذا خرج المرء من ضيق نفسه إلى رحاب العالم وجد العكس تمامًا، وجد أن نفسه هي المذنبة المقصرة. ولذلك يجدر بالذي يستغفر ربه أن يسبحه أولًا، كما قال النبي يونس عليه السلام على ما جاء في القرآن: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ [١].
أي أن الاستغفار إلى الله عقيدة وسلوك ينبغي أن يَلِيَا الإقرار بعقيدة التوحيد، بل إن عقيدة التوحيد لا تكتمل لولا أن يعرف الإنسان المخلوق حقيقة منزلته، وأين هو من ربِّه العلي العظيم. وقد ورد عن رسول الله (ص)، قال:
(مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ)[٢].
لأن في النفس صفات النقص والذل والتقصير والجهل، وهي صفات دفينة في ظلمات النفس، وقد جعلها الله تعالى- بفضله ومنّه العميم- في الوقت نفسه أدلة على مصدر النور وينبوع الخير. وهذه المقاربة بين معرفة الذات وبين معرفة الخالق إنما هي من فضله تبارك اسمه.
فالإنسان إنما يتكامل؛ حينما ينتبه إلى ما فيه من النقص، وكلما زادت معرفته بنواقص نفسه زادت صلته بربه حتى يستعين به لرفع تلك النواقص. ولكنه قد
[١] سورة الأنبياء، آية ٧٨.
[٢] بحار الأنوار: ج ٢، ص ٣٢.