بينات من فقه القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٧ - كذلك لنُثَبِّت به فؤادك
التدرُّج في بناء الأمة وتربية أبنائها على تلك البصائر الجديدة، التي كان يصعب على الناس الارتفاع إلى مستواها دفعةً واحدةً.
وواضح أن المخاطب هنا، هو كل شخص يرتضي القرآن دستورًا إلهيًّا وكتابَ هداية على مر العصور، نظرًا لأن الفؤاد- فؤاد أي إنسان- أصغر من أن يستوعب القرآن وما يحويه من ثقل عقائدي وتربوي أخلاقي دفعةً واحدةً، ولقد وصفه الله تعالى بالقول الثقيل، حيث قال ربنا: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [١].
فالقرآن قول ثقيل؛ لأن فيه أمانة الرَّبِّ الكبرى، وليس من السهل استيعاب هذه الأمانة دفعةً واحدةً.
والواقع أن قُدرات البشر في تلقي البصائر محدودة جدًّا، وهي بحاجة إلى التدرج في مخاطبتها وتفعيلها، وقد قال عز اسمه بهذا الصدد: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [٢].
إذا فسرنا النظر بالإمهال (من النَّظِرَة) يكون معنى الآية: أن الله تعالى لا يسمح للإنسان أن يطلب التبرير والتهرُّب من مسؤولياته، وإنما له أن يطلب الفرصة لأدائها. وهكذا نجد أن من ميزات الدين الإسلامي أنه يوفر الأجواء التعليمية والتربوية المناسبة لتلقي وتطبيق الشريعة.
ثم إذا كان القرآن قد نزل جملة واحدة، فماذا كان يبقى للرسول من أمر إِبلاغه، إذ كان كافيًا أن يستيقظ الناس في الصباح- مثلًا- ليجدوا في كل بيت من بيوتهم نسخة من القرآن المجيد
[١] سورة المزمل، آيه ٥.
[٢] سورة البقرة، آية ١٠٤.