بينات من فقه القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٣ - الجنة خير مستقر
بين نِداءَي الحق والباطل في ذات الإنسان- بما لا يبلغه حتى الخيال .. وكذلك حديثه سبحانه وتعالى عن النار.
وما ذاك إلَّا لأننا- نحن بني آدم- مُبتلَون بمسألة الخلط بين الحق والباطل. هذا الخلط، باعتباره جزءًا أساسيّا من الامتحان الذي كُتب علينا في حياتنا الدنيا. فنحن إنما وُضِعنا في ساحة مُغبّرة، وكُلِّفنا بتبصُّر العلامات الفارقة في تشعبات تلكم الساحة المغبّرة .. و (الفرقان) الكريم خير مُعين لنا في إنجازنا هذه المهمة المُستعصية.
وقد ورد الحديث عن الجنة في هذه الآيات تاليًا للحديث عن النار؛ لأن الحديث عن النار أسرع وأشد تحريكًا للوجدان الإنساني وعصفًا بضميره.
ولكن يبقى وصف الاستقرار وحسن المقيل بالنسبة لأصحاب الجنة في يومهم الذي يدخلون إليها، ذا معنيين:
الأول: إن ابن آدم يبحث عن الاستقرار والأمن والخلود، وهذا ما لا يجده في غير الجنة؛ إذ الموت مارد فاغر فاه فوق رأسه في الحياة الدنيا، ولا يمكن النجاة منه أبدًا.
الثاني: والاستقرار لا يكون استقرارًا مشوبًا باضطراب. والأحسن مقيلًا هو الفائق على كل حسن.
فأصحاب الجنة يتلبسون بهذا العنوان- مصاحبة الجنة- منذ مفارقتهم الحياة الدنيا، حين تطبق جفوفهم بعد خروج أرواحهم من أبدانهم وحملهم إلى قبورهم وجلوسهم إلى حياة القبور في البرزخ، وحتى يقفوا بين يدي الرحمن الرحيم ليحاسبهم ويناولهم كتبهم بأيمانهم ويُؤمر بهم إلى جنان خلده.