بينات من فقه القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٦ - مصير قوم نوح آية وعبرة
ولما كان التكذيب بالمرسلين عائد إلى مصدره البشري، فإن الإنسان إذ ذاك سيُجزى بما يُماثل جريمته في التكذيب.
٢
-
أَغْرَقْنَاهُمْ.
بأمر من الله وبتطبيق من جنود يعملون بأمره لا يفترون، قد أغرقوا المكذِّبين. إذ كما التكذيب يُراد منه كبت الحق وقمع الحقيقة، كذلك هو الإغراق لم يُبقِ للمكذبين ولا لآثارهم باقية.
نعم؛ إن الله تعالى يريد منا بالدرجة الأولى أن نعي السُّنَّة التاريخية الثابتة لدى تصفحنا تاريخ المدنيات السابقة، دون الانهماك في اكتشاف التراث المادي البحت؛ لئلَّا نُصاب بداء البدء من الصفر الذي يعكس قلة العقل وندرة الخبرة وشدة الكسل.
٣- وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً.
حقًّا لم يكن الإغراق لقوم نوح لمجرد الانتقام من هؤلاء القوم، وإنما ليكون أيضًا عبرة لمن يعتبر، كي يُنبِّه من هو غافل عما يُؤدي به قعوده عن الحق وتمادية في الباطل. فقوم نوح عليه السلام قد تحوَّلوا إلى علامة بارزة في تأريخ البشرية، إذ تلاشت حضارتهم الضخمة حين عجزوا عن مواجهة سيول الماء وغزارة المطر.
ثم يُبيِّن ربنا سبحانه ما هو مَثَل يسري في كل عصر ومصر، يتمثَّل في سُنته الثابتة، وأنه قد أعد لكل ظالم أينما وُجد عذابًا أليمًا، فقال سبحانه:
٤- وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً.
أي: أن سُنة الله في خلقه أن يَعِدُ الصالحين سعادةً وخيرًا، فيما يُوعِد الظالمين بالعذاب الأليم. وكلما كان ظلم الظالمين أشد، كان العذاب آلم. ولعل الألم في هلاك قوم نوح تمثَّل في طول الأمد