بينات من فقه القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٩ - هروب من الحقيقة
فيما هو مبعوث لإخبار الناس في أن لدى كل واحدٍ واحدٍ منهم كنوزًا من العقل والفطرة، وفرصًا لتسخير ما في الأرض من نعم في سبيل تقدمهم، وأن الكنز الحقيقي هو الإيمان بالله وتوثيق الصلة به تبارك وتعالى.
وهكذا ترى الكافرين قد تجاهلوا حقيقة النبوة، ولم ينتفعوا ببصائرهم ليروا بها حقيقة الدعوة الرسالية، وما أعدَّ الله تعالى لهم من كنوز الفضيلة والرحمة في الدنيا وجنان الخلد في الآخرة.
٢- أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا.
بعد أن حبس الكافرون أنفسهم في زنزانة الدنيا المادية، أنكروا حقيقة هامة هي: أن الرزق من الله تعالى؛ فتصوروا أن مَنْ لديه بستانًا مثلًا إنما امتلكه من عند نفسه، ولم يعلموا أنه من عند ربهم. ومن هنا تمادى كفار قريش في الغي حتى قالوا: لماذا لم يُنزَل القرآن على رجل من القريتين عظيم؟. أي من مكة والطائف، وهما اللتان كان فيهما مَنْ يملك من المزارع والبساتين والمواشي ما شاء الله له أن يملك.
كل هذه أمثلة على الاضطراب في المقاييس. فالكافرون اعترضوا في البداية على الرسول الصادق الأمين (ص) لكونه يأكل الطعام، والآن يقترحون عليه أن تكون له جنة يأكل منها.
حقًّا إن من يُعرِض عن ذكر الله يُصاب باضطراب في أفكاره ومقاييسه، كما يُصاب بالضنك والعسر في رزقه. وهذا التقييم الخاطئ للفكر ولرجاله يُصيب الناس في كل عصر في مواجهة الدعوات الإصلاحية، حيث لا ينظرون إلى محتوى الدعوة، بل إلى رجالها كم يملكون من سطوة وثروة. وكان عليهم أن ينظروا إليهم كم يملكون من صدق وأمانة.