المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٨ - مقدمة كتاب المحاسن و الأضداد
من مختلف نواحيها، و تقلبها على مختلف وجوهها، ثم ينتهي الجاحظ إلى رأي جازم: ان الكلام خير من الصمت، و علم الكلام علم شريف يهدف إلى معرفة الحقيقة.
و إذا كان صاحب الكتاب لا يعلن رأيه و لا غايته، فإننا نستطيع أن نتبين من خلال النص بعض ميوله و اتجاهاته التي يختلف فيها مع الجاحظ. فهو ينادي بالحجاب و يحشد أقوالا كثيرة تدعو إليه و تزينه و تحذر من السفور، و على عكس سائر الأبواب لم يذكر مساوئ الحجاب كما ذكر محاسنه. و يستشهد بحديث نبوي يقول: «باعدوا بين أنفاس الرجال و النساء فإن كانت المعاينة و اللقاء كان الداء الذي لا دواء له» و بآخر يقول: «النساء حبائل الشيطان» ؛ ليقرر أن المرأة تغوي الرجل و أن لقاء الرجل للمرأة و رؤيته إياها يدفعه إلى الزنى و لذا ينبغي الفصل بينهما. كما يستشهد بقول لعمر بن الخطاب يدعو إلى حرمان المرأة من الظهور و التزين و التبرج: «استعينوا عليهن بالعري» و يقول لإمرأة زنت هي هند بنت الخس تعترف فيه أن سبب اقترافها الفحش إنما هو «طول السهاد و قرب الوساد» . و يخبر أن أكاسرة الفرس كانوا يمتحنون امناءهم برؤية النساء، فمن صبر عليهن و لم يقع بحبائلهن و لم يغوه جمالهن، وثق به و إلاّ تخلص منه أو أبعده. أما الجاحظ فقد عالج هذا الموضوع في رسالة مستقلة هي رسالة «القيان» . و هو يحمل على حجاب المرأة و يدعو إلى السفور و يقدم البراهين المنطقية و الاجتماعية و الدينية التي تسند موقفه. فهو يخبرنا أن العرب لم يعرفوا الحجاب في الجاهلية، و كان الرجال و النساء يجتمعون على الحديث و المسامرة. و في الإسلام أجاز الدين للنساء الطواف بالكعبة مكشفات الوجوه. و لم يحرم عمر بن الخطاب السفور رغم زهده و ورعه و فقهه و علمه. و كذلك الحسن بن علي لم يحرم النظر إلى النساء، حتى الشعبي فقيه أهل العراق لم ير في النظر إلى عائشة بنت طلحة امرأة مصعب بن الزبير حراما الخ.. ثم يقول إن كل ما في العالم مسخر