المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٩٧ - أخبار الشعراء
أرتجي خالقي و أعلم حقا # أنّه ما يشاء ربّي كفاني
لا تلمني، و ارفق خليلي بشأني # إنّه ما عناك يوما عناني
قال علي بن الحسين: فو اللّه ما رأيت أحسن منها، و لا أرقّ من غنائها بهذا الصوت، فما برحت حتى اصطلحا، و ألهتني، و اللّه، عن الغنى؛ فأقمت بالبصرة.
و عن الكلبي [١] ، قال: بينا عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت في حال نسكه، فإذا هو بشاب قد دنا من شابة ظاهرة الجمال؛ فألقى إليها كلاما، فقال له عمر: «يا عدوّ اللّه، في بلد اللّه الحرام، و عند بيته تصنع هذا» ؟ فقال: «يا عماه، إنها ابنة عمي، و أحبّ الناس إليّ، و أني عندها لكذلك، و ما كان بيني و بينها من سوء قط أكثر مما رأيت» . قال: «و من أنت» ؟ قال: «أنا فلان بن فلان» ، قال: «أ فلا تتزوجها» ؟قال: «أبى عليّ أبوها» ، قال: «و لم» ؟قال: «يقول ليس لك مال» ، فقال: «انصرف، و القني» ، فلقيه بعد ذلك، فدعا ببغلته فركبها، ثم أتى عمّ الفتى في منزله، فخرج إليه فرحا بمجيئه، و رحب و قرب، فقال: «ما حاجتك، يا أبا الخطاب» ؟قال: لم أرك منذ أيام فاشتقت إليك، قال: «فانزل» ، فأنزله و ألطفه، فقال له عمر في بعض حديثه: «إني رأيت ابن أخيك، فأعجبني تحركه، و ما رأيت من جماله و شبابه» ، قال له: «أجل!ما يغيب عنك أفضل مما رأيت» ، قال: «فهل لك من ولد» ؟قال: «لا، إلاّ فلانة» . قال: «فما يمنعك أن تزوّجه إياها» ؟قال: «أنه لا مال له» قال:
«فإن لم يكن له مال، فلك مال» ، قال: فإني أضنّ به عنه، قال:
لكني لا أضنّ به عنه، فزوجه و احتكم، قال: مائة دينار، قال:
نعم. فدفعها عنه، و تزوجها الفتى، و انصرف عمر إلى منزله، فقامت إليه جارية من جواريه، فأخذت رداءه، و ألقى نفسه على فراشها و جعل يتقلب؛ فأتته بطعام، فلم يتعرّض له، فقالت: أظنك، و اللّه، قد وجدت
[١] الكلبي: محمد بن السائب الكلبي (١٤٦ هـ) و ابنه هشام (٢٠٤ هـ) مؤرخان عنيا بأيام العرب و الفتوحات الإسلامية و انساب القبائل العربية.