المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٤٥ - محاسن مكر النساء
صاحب الشرطة: أين اختبئ؟فقالت: لا ملجأ إلاّ هذا التابوت، و فيه بيتان، فادخل أيهما شئت، فدخل، فأقفلت عليه، فلما دخل القاضي، قالت: مرحبا و أهلا، و أقبلت عليه بالترحيب و التلطيف. فبينا هي كذلك، إذ قالت الجارية: الناسك بالباب، فقال القاضي: ما ذا ترين في ردّه؟فقالت ما لي إلى ردّه سبيل. قال: فكيف الحيلة؟قالت:
إني مدخلتك هذا التابوت، و مخاصمته، فأشهد لي بما تسمع، و احكم بيني و بينه بالحق. قال نعم، فدخل البيت الثالث، فأقفلت عليه.
و دخل الناسك، فقالت له: «مرحبا بالزائر الجاني، كيف بدا لك في زيارتنا» ؟قال: «شوقا إلى رؤيتك، و حنينا إلى قربك» . قالت:
«فالمال، ما تقول فيه: أشهد اللّه على نفسك برده، أتبع رأيك.. قال:
«اللهم إنني أشهدك اللّه لجميلة عندي ألف دينار وديعة زوجها» . فلما سمعت ذلك هتفت بجاريتها، و خرجت مبادرة نحو باب الملك، فأنهت ظلامتها إليه، فأرسل الملك إلى الحاجب، و صاحب الشرطة، و القاضي، فلم يقدر على واحد منهم؛ فقعد لها، و سألها البينة، فقالت: «يشهد تابوت عندي فضحك الملك و قال: «يحتمل ذلك لجمالك» . فبعث بالعجلة فوضع التابوت فيها، و حمل إلى بين يدي الملك، فقامت و ضربت بيدها التابوت و قالت: «أعطي اللّه عهدا لتنطقن بالحق، و تشهدن بما سمعت، أو لأضر منك نارا، فإذا ثلاثة أصوات من جوف التابوت تشهد على إقرار الناسك لجميلة بألف دينار. فكبر ذلك على الملك، فقالت جميلة: «لم أجد في المملكة قوما أوفى و لا أقوم بالحق من هؤلاء الثلاثة فأشهدتهم على غريمي» ، ثم فتحت التابوت و أخرجت ثلاثة النفر، و سألها الملك عن قصتها فأخبرته، و أخذت حقها من الناسك، فقال الحجاج: «للّه درها ما أحسن ما احتالت لاستخراج حقها» .
قال: و كان يعقوب بن يحيى المدائني، و يحيى الكاتب، كاتب سهل بن رستم، يتحدثان إلى مهدية، جارية سليمان بن الساحر، فقال يعقوب يوما ليحيى: «أنا أشتهي أن أرى بطن مهدية» ، فقال يحيى: «ما تجعل لي إن