المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٤٤ - محاسن مكر النساء
فارددي قلب عميد و اقبلي # صلة الضعفين ممّا ترتجين [١]
فأطرقت جميلة لقوله طويلا، ثم قالت: ويحك، أ لست المعروف بالنسك المنسوب إلى الورع؟قال: بلى. و لكن نور وجهك سلّ جسمي، فتداركيني بكلمة تقيمين بها أودي. فهذا مقام اللائذ بك! قالت: أيها المرائي المخادع!أخرج عني مذموما مدحورا. فخرج عنها، و قد هام قلبه، و أضحت جميلة تعمل الحيلة في استخراج حقها، فأتت الملك ترفع إليه ظلامتها، فلم تصل إليه، فأتت الحاجب، فشكت إليه، فأعجب بها إعجابا شديدا، و قالت: إن لوجهك صورة أدفعها عن هذا، و لا يجمل بمثلك الخصومة فهل لك في ضعفي مالك في ستر و رفق؟ فقالت: سوأة لامرأة حرة تميل إلى ريبة. فانصرفت إلى صاحب الشرطة، فأنهت ظلامتها إليه، فأعجب بها و قال: إن حجتك على الناسك لا تقبل إلاّ بشاهدين عدلين، و أنا مشتر خصومتك، إن أنت نزلت عند مسرّتي. فانصرفت عنه إلى القاضي، فشكت إليه، فأخذت بقلبه، و كاد القاضي يجنّ إعجابا بها، و قال: يا قرّة العين!إنه لا يزهد في أمثالك، فهل لك في مواصلتي و غناء الدهر؟فانصرفت، و باتت تحتال في استخراج حقها، فبعثت الجارية إلى نجار، فعمل لها تابوتا بثلاثة أبواب، كل منها مفرد؛ ثم بعثت الجارية إلى الحاجب أن يأتيها إذا أصبح، و إلى صاحب الشرطة أن يأتيها ضحوة، و إلى القاضي أن يأتيها إذا تعالى النهار، و إلى الناسك أن يأتيها إذا انتصف النهار.
فأتاها الحاجب، فأقبلت عليه تحدثه، فما فرغت من حديثها حتى قالت لها الجارية: صاحب الشرطة بالباب، فقالت للحاجب: ليس في البيت ملجأ إلاّ هذا التابوت، فأدخل أيّ بيت شئت منه. فدخل الحاجب بيتا من التابوت فأقفلت عليه. و دخل صاحب الشرطة، فأقبلت جميلة عليه تضاحكه و تلاطفه، فما كان بأسرع من أن قالت الجارية: القاضي بالباب؛ فقال
[١] العميد: الذي اشتد حبه. و معنى البيت ارجعي لي قلبي الذي سلبته و خذي بالمقابل ضعف المبلغ الذي تطلبينه.